فـن الرسـم - في ضوء نظريات النص تحولات المرجع

تقدمة
يعمل هذا البحث على مناقشة بعض المفاهيم المتصلة بما انجزته الحداثة وما بعد الحداثة  لقراءة "اللوحة التشكيلية" في ضوء نظرية الفن وهي تحديداً: المرجع والنص "اللوحة" والرؤية. وهي الابعاد الثلاثة التي تتحكم بعمليات الانتاج الفني ما قبل المنجز وما فيه وما بعده: وهي ابعاد ظلت تطوى وتقصر على حسب المنطلقات الايديولوجية والثقافية.

ان البحث يهدف ايضاً الى تعميم الحوار الذي ظل مقتصراً على الكتابة (الادب) بانواعها السردية والشعرية ليشمل بنشاط مسموع الانواع الفنية الاخرى كالرسم والسينما والموسيقى برغم الاعتراضات الوجيهه في صعوبة ايجاد النظام الكلي المرجعي الذي تمثله هذه النصوص. دون ان يمثلها النموذج الالسني والذي من دونه ستظل عمليات فهم الانجازات الفنية مجرد نظر او سمع محدود ومجزأ ينتهي بانتهاء لحظة القراءة البصرية عند مشاهدة لوحة الرسم.. ونجد ان النزعة الاكاديمية التي تتحلى بها بحوثنا هي خير ما يقيم ذلك الحوار ويعطي لكل ذي حق حقه بعد ان شهد الواقع الاكاديمي في المشرق العربي خاصة مناقشات تصدر عن دوافع ايديولوجية لا يتحدد داخلها شيء جمالي او فني.. الامر الذي يخرج النقاش عن هدفه الاساس المرتبط بفرضيات واجراءات ونتائج والمبني على سلسلة من الوثائق المقبولة  تنتهي الى وضع البحوث في اطارها الموضوعي.

 

المرجع
شغل المرجع، الحركات النقدية قاطبة التقليدية منها والحديثة، ولا نريد ان نستعيد ما قيل، لكننا نحاول هنا ان نتكلم عن مرجع عام وهو ما يسمى (بالنظام) القبلي المجرد الذي يوجد في كل ما هو مختبئ، كالنبع الخفي الذي نشاهده على شكل فروع وانهار.. والاخر هو المرجع الذي يمكن ان نطلق عليه المرجع التداولي Pragmatic reference .

وهو المرتبط بنظرية المرسل حيث تعيننا دراسة ذات المؤلف في اضاءة ما ينتجه ومن ثم فهمه، أي بوضع اليد على وثائق السياق للمؤلفّ (الرّسام) النفسية ولاجتماعية.. الخ.

يبرز هنا على نحو جلي المفهوم الاعتباطي للعلامة في النموذج (السوسيري) الذي يقود الى اقصاء الشيء واحلال المدلول محله، وبعبارة اخرى فان المرجع (الشيء) الذي نسميه بـ (دال) لا يعود له وجود في المجال الذي يتكون فيه وجود الواقع ذاته. فالنخلة تحضر كمدلول في صفات متعددة اولها دال لفظي، ومن ثم تصور ذهني، وقد نتكلم عن نخلة توضع في مدخل مصنع للحديد والصلب ونخلة ثانية هي الشيء المنغرز في التربة ولها جذور، بوصفها اسم جنس مجرد يندرج تحت جميع افراده (شجرة، شجرة رمان عنب..صبّا).. الخ.

ولكي تستغل لعبة الدال والمدلول (خارج المرجع) وشروط تبنينها ولكي يحققا بعلاقتهما الاكتفاء الذاتي، تؤسّس تعدد العلاقة على مفهوم الاعتباط*.. الذي يقدمه النموذج الالسني كبنية رمزية صرف يمكن ان تؤدي العاباً بذاتها الى ما لانهاية.

"وصحيح ان جملة المظاهر الحسية في ضوء هذه الحقيقة والتي تؤلف كيان العمل الفني على الصعيد الظاهري - بغض النظر عن تنسيقها الكيفي وسحرها العاطفي وقيمتها البنوية الظاهرية – نستطيع ان نعدّها مجموعة من الاشارات التي سخرت لتعرض لنا "عالم الفن" وتوحي بما يضم من كائنات واشياء، وهو مشابه الى حد ما للعالم الواقعي بحيث يتيسر التغلغل فكرياً في العمل الفني واستحضار الكائنات التي تحدث عنها.

يمكن هنا مشاهدة امرأة وجبلٍ وجدولٍ في مواضع متباينة وليس هذا العالم ملزماً بحال من الاحوال باحترام ما نسّميه العالم الواقعي: ما الذي يمنع المصور من ان يعرض علينا زهراً ازرق اللون واجساماً تجوب الفضاء بحرية تامة (لوحة شاغال) او اضواء خارقة وهالات من النور (لوحة رمبرانت ) وهو قادر اذا ما اراد ان يباعدفي ما بيننا وبين الواقع ويطلعنا على طبيعة تختلف اختلافاً كبيراً عن الطبيعة الحقيقية.( )

هل يمكن احالة جنيات البحر الاسطورية التي صورها واتسWattsاو(غوستاف مورو Moreau( والجياد المجنحة التي عرضها انغرز Engres وباري Barye  ودوره Doere، وملائكة فرانجيليكو Fraangelico وتلك الابنية الهندسية المائلة في لوحة رافائيل "مدرسة اثينا" فضلاً عن الوف الاطياف المبهجة التي تتخلل الشعر والموسيقى.. ان الفن يمكن ان يعرض لنا كائناتٍ غريبة كل الغرابة ولا نفقه منها شيئاً( ).. لكننا نحضر مدلولها في جملة من التأويلات المفرطة.

وهكذا، واذا ما اعترضنا على كل ذلك، بان المرجع المنقطع في الذهن كواقع نفسي لا يمكن تنحيته في اثناء تعالق الدال بالمدلول.. يجاب بان تبنين الدوال في نص ما من شأنه ان يجعل المرجع يتلاشى شيئاً، فشيئاً حتى درجة الصفر ,حيث تتبخر العلاقات الناشئة عن الاستعمال وتحل محلها بداية جديدة تماماً تبدأ من الصفر (على وفق المفهوم البارتي)( )

ويبدأ مفهوم جديد للاشياء عندما تتغير علاقتها. ومثالاً فان غرفة تم استعمالها عشرين عاماً كما هي بحيثياتها، واثاثها وتوزيع ذلك الاثاث، وفي حركة ما تم توسيع الغرفة واعادة ترتيبها، فكأنك تدخلها اول مرة برغم انك دخلتها آلاف المرات.. انك تبدأ باستعمالها من درجة الصفر..( ) ان الفن  يكون دائماً في حركة تعديل.. لنص سابق، لاحداث ومشاهد … الابداع الدائم.. الذي حاول الفنانون عبر تاريخ الفن صنعه.

لقد صدم (مانيه Manet) معاصريه باعادة توزيع الحدث.. خاصة في لوحته "الغذاء على العشب".. كان قد علق اهمية اكبر على الموضوع اكثر من الاسلوب الذي تضمن اعادة توزيع الاشخاص وجلسة المرأة والمنظر مما اثار حفيظة العرف الاجتماعي والفني معاً .

وهذا لم يمنع سيزان من ان يكون اول من اعطى تمجيداً مطلقاً لمزايا التصوير وحدها، خلال مزاولته الطويلة للفن ويسهم سيزان بشكل حازم.. بفكرة ان اللوحة وحدة مستقلة يمكنها ان تستوحى من الطبيعة ولكن يجب ان تخضع بالنتيجة الى قوانينها الخاصة وان تكتفي بذاتها.( )وعلى الرغم من ان قراءة ذلك تتحقق في ظل (نقد) تؤسسه لغة غير منضبطة.. لغة صوفية كما يسميها ليونارد جاكسون( ) فانها تعبر عن مدى السجال داخل النموذج الالسني (البنيويين) وخارج هذا النموذج (ما بعد البنيوية) الذي سيكون المرجع منة ذا حضور نفسي واجتماعي فيزيقي.. او هو حضور ميتافيزيقي (غياب).. اما في الادب والفن فانه يتلاشى هو وما انشأ وشيد من استعارات، يمكن تشبيهها بالاقمشة المستعملة Langat .. والسؤال هو ماذا عن المرجع في الرسم؟ لنعد الى تأثير النسق* الالسني في المرجع.

ومثلما ذكرنا فان الدال صورة سمعية (كتابي) يتحول الى صورة ذهنية تزيح صورة الشيء الواقعي، فان النسق في الرسم ينكفئ تماماً، اذ نرى دالاً خط، كتلة، فراغ، لون، شكل، يشير الى شيء.. أي انهه يحل محل الصورة الذهنية، ولا يفسح المجال للمشاهد في تصور شيئاً اخر. فالصورة البصرية في الرسم تقمع القدرة على تأويل الاحداث والاشياء. فكان الرسم يؤسس تكويناته على علاقة من نوع ما ويضعك امام حقيقة صورية. ومن هنا: فان ازاحة المرجع التي سمحت باللعب المقيد او الحر في الفن والادب… تسقط هنا في الفنون البصرية الرسم، النحت، السينما… الخ.

نحن نرى (شيئاً) وسواء اكان هذا الشيء جزءاً من مخزون مشاهداتنا او تصوراتنا (خيالنا) فانه هو الذي يتكلم، وهذا ما يحدث بالضبط في الصورة الفوتوغرافية ان الصورة. صورتي هي رسم (الي) لي انا وليس لغيري اننا ندخل في مجال ما اطلق عليه بالايقنه* (Iconicity) التي يمثل فيها المرجع جميع اجزاء الصورة البصرية والذهنية.

فما الفرق بين صورة او رسم ينتمي الى الفن وصورة او رسم ينتمي الى المعاملات في السجلات وكلاهما يقوم على النسق ذاته المكون من (الدال+الشيء).؟

الجواب عن هذا السؤال هو ان (الشيء) ينحو شيئاً فشيئاً لتحل محل الصورة الذهنية، صورة اخرى تكاد تكون كالمرحلة الثانية في النسق اللغوي أي اننا نرى صورة* (الشيء): نراها كصوره ذهنية. ولهذا يعمد (الرسم) الى اقامة سلسلة من التحريفات داخل هذا الشيء ليسهل انتقاله الى الصورة  القابعة فيه وعلى الضد من هذا تتطلب المعاملات الرسمية صوراً مطابقة مائة  في المئة للشخص المتقدم بطلب معاملة – والى مدى قريب كان المسؤولون الرسميون يرفضون الصور الملونة بوصفها تشكل خروجاً عن العرف او هي انزياح عن الايقونة المماثلة.. ان الانحراف عن درجة (المرجع) التي تصيب الشيء الذي يبرز لابصارنا: تتحول الى مرجعية تعطي لهذا النتاج شرعية فنية او عدم شرعية.

ولا نأتي بجديد اذا قلنا ان التصوير الفوتوغرافي الذي يقوم على نظام المطابقة قد سعى الى اثبات فنيته: الى اقامة سلسلة من الانحرافات، في الابعاد او التظليل او التشويه.. يعني هنا.. الخروج عن (المرجع) تمهيداً لاحلال الصورة الفنية محل الصورة الشيئية..كما في الخطاطة التالية:

 

صورة ايقونية

صورة ذهنية

صورة فنية صورة شيء

 

هذا يعني الذهاب الى ما وراء البصر باتجاه الذهن، وهكذا سنجد تسجيل درجات الخروج تتفاوت بين اتجاه واخر ولكنها الشرط او (الضرورة)، بالمفهوم الفلسفي، لينوجد ما هو فني.. فالواقعية Realism  والمدارس والاتجاهات الاخرى كالسريالية والتكعيبية والتجريدية.. كل منها يمثل درجة ما من ازاحة (المرجع) ليكسب المشروعية الفنية لكن الواقعية تسعى الى المبالغة والتركيز لتسجيل هذه الازاحة دون المساس بالبصري المنطقي. وتسعى الانطباعية الى تسجيل هذه الازاحة من خلال اللون والضوء وتسعى السريالية* الى تدمير الملامح والاكتفاء بالتقاطعات المهمة.

 

والسؤال المهم يعد التحول من النسق الالسني الى التشكيلي

دال مدلول مرجع

الى دال مرجع مدلول

مجرد ترتيب شكلي فرضه الفرق بين ما هو مسموع وما هو مرئي او ان اثاراً جوهرية تترك بصماتها على عملية الفهم الابداع في الفنون التشكيلية (الذي يرتبط بدرجة صفر الكتابة)، ولكي نجيب عن هذا السؤال المهم علينا ان نقدم لاليات السمع والبصر.

يقوم السمع (وهذا ما ذهب اليه بعض الباحثين)( ) بتوليد الصورة الذهنية مباشرة، لان (ما نسميه) هو مجرد علامات اتفاقية عن الشيء ولا علاقة لها بالشيء كما بينا (الاعتباط) اما في البصر فهو يولد الصورة الواقعية لان ما من شيء نراه الا وهو موجود هناك قبل ان يظهره توسط الضوء بيننا وبين عمليات الاْبصار (قمة الاذن فتخصه بالذهن وعالمه وقمة البصر مختصة بالواقع وعالم الواقع.. السمع احدى وسائل اجتياز العالم)( )، ويعني هذا ان السمع، لا بوصفه الية التقاط ، بل بوصفه (دلالة) ،مرتبط بما يحدثه في خيالنا… في العلامة التي نلتقطها.. فهي تسمع كلمة (طنطل) وكنا نسمعها في طفولتنا وهي التي تمثل كائناً حياً خرافياً.. ان علامة (طنطل) لا تمتلك مرجعاً محدداً لكي تتم الإحالة اليه ولكنها تمتلك سياقاً.. تنشأ فيه ، ويتيح لنا ذلك السياق تطور شكل تلك العلامة على حسب ذات كل واحد منا، ولكن التداول المتكرر والموحد لهذه العلامة قد اسهم في توحيد خيالنا ومن ثم تأسيس تشفير جمعي لعلامة (الطنطل)( ).

ان التصور الذهني ينتقل من مرجعين: مرجع الاشياء الموجودة في الواقع ومرجع الانشاء الخيالي..المقيد بالتداول والتكرار.. والمضي الى تأسيس شفرة في القراءة.. وهكذا فان الحكاية هي جزء زمني في مفصل(الخيال)،كما هو عند فرويد فالمرحلة(الاوديبية)( )حيث يقودنا الذهن على اشده الى التعامل مع العلامات المسموعة، وفي مرحلة انتقالنا من مبدأ الخيال واللذة أي مبدأ الواقع ولا نكون قد كثرنا من مشاهدتنا ووسعنا مخزوننا من الاشياء التي تشكل مرجعاً لنا، بل نكون قد اسسنا تفكيراً منطقياً لاستيعاب هذه الاشياء،فاننا لانعود نقبل مبدأ التلاعب الذهني بقراءاتنا!

هكذا يفعل الابداع المسموع من قصة او رواية او اسطورة.. الخ انه يسمعنا او يكتب النا علاقات جديدة بين (الاشياء).. انه يتلاعب بتصوراتنا الذهنية عن طريق اقامة شبكة علاقات مصغرة (ان صح التعبير) نرى بها الاشياء كالطنطل.. تتحد على وفق جهد مشترك عبر السياق والخيال الفردي.. الذي يتحول بوساطة التكرار الى خيال جمعي. وهذا ما يمكن ان نصطلح عليه في الكتابة بدرجة صفر الكتابة. انه في المستعمل وليس الجديد واذا انتقلت الى الكتابة من وجهة نظر اخرى فانها في استعارات قديمة من سلة (المهملات) أي تحرير النص من ربقه، ومن ثم تركيب هذه الاستعارات المستعملة البالية التي تفوح منها رائحة استكشاف ما سيحدث، فان الصفر سيداهمنا ونقع في استقبال غير المتوقع.. ان اللاتوقع هو خارج معرفتنا وفي منطقة يباب لا مرجع فيها. حيث تبدأ العملية الفنية بالتكون!


والان نعود الى الرسم فماذا يحدث في ضوء نسق دال، مرجع.

يسمح الفن (فن الرسم) بالتحول من الطبيعة التي تزخر باشياء لا حصر لها، لكن كما قلنا ايضاً.. نحن لا نبعث (الشيء) الذي نحتفظ له بنسخة او بنسخ مخزونة بل بدرجة (انحراف)* هذا الشيء عما هو لدينا، وبعبارة اخرى فاننا نرى (شيئاً) ما، يحيل الى ما في حوزتنا ولكن بنفس الوقت يجعل هذه الاحالة مقلقة، وبعبارة اخرى فان لوحة فنية تجعل من الشجرة انساناً، ولكنها ستجعل القارئ (الفني) يسكن عبر هذه القلقلة بين وجوده متعددة وزوايا مختلفة للوجوه المرسومة والوجوه الواقعية. بين زحف قطة وزحف طفل .

وبهذا فان عمليه قراءة الرسم تمر بمرحلة معسرة، انها مرحلة غير مستقرة: تنشب بين الشيء واقصاه على عكس الادب وسماعة: اذ ان اقصاء المرجع والوثوب الى صورته الذهنية تمر بمرحلة ولادة طبيعية..

وهكذا فان نظام التعالق البصري يتسم بعمليات قيصرية).. قبل استقبال المولود الجديد..

ان قراءة الرسم في ضوء هذا قراءة تواترية  يسحب المرجع نفسه ويعود ثانية. يغيب ولا يعود وليس له حدود ملحمية ولا يتبنين في كتل انه اللا شيء الذي يقترب من الافلات من الوجود لولا الجدران الفنية والادبية والتاريخية التي تعيد تحديده، أي على انه شيء محدود حتى وان كان بياضاً (فراغاً) فانه يعلن عن وجود الاتي: ان تعلن (العرصة) وهي الفراغ المؤطر بابنية حضور بنائها الاتي، معنى ذلك ان الرسم اللامتعين الذي يجرد مرجعه عن لحمه.. ولا يبقى سوى عظام لا تنشئ هيكلاً بل تقاطعاً.. سيتحرر.