بؤس الحروفية في لوحات الفنانين العرب

سعى النحاة والالسنيون الى ضبط القواعد المتحكمة بالحرف، في حين اتجه الرسامون الى استثمار الحرف بانتقاله من جاهزيته الصوتية واللغوية وتركيبه الكلمي الى صورته التشكيلية. وكذا عمل نقاد الفن على ارجاع صورة الرسم الى لغة تحليل. هكذا نقف على اضلاع المثلث: الحرف المصوت، والحرف المصور، والحرف المترجم ان صحت العبارة. واذا وضعنا انفسنا في البعد الاخير فعلينا ابتداء رسم العلاقة بين الحرف اللغوي والحرف التشكيلي.

في البدء نتساءل: هل هناك جمالية حروفية؟ واذا كان الجواب بالايجاب، فان الجزم بذلك يكتنفه بعض إشكال يتمثل في تعريف تلك الجمالية وتحديدها في الاهتداء الى المبدأ الذي تأسست عليه او الذي يتخذ من هذه الجمالية موقعه.

والحال، نكون امام تصور في تعيين كيفية اندماج الاتجاه الحروفي في الكل الحضاري الذي ينتمي اليه الرسم.. لذلك، كثيرا ماغلب على المهتمين بالموضوع ميل الى الاقرار بخصوصية جمالية حروفية، اي التسليم بوجودها قائمة بذاتها واحد من التقاليد الفنية في التاريخ العربي الاسلامي. يقابل ذلك جنوح النقد في محاولة لاسباغ شرعية معرفية.. الى كثير من التوصيفات التأملية والصوفية وتحقيق الهرية.. الى اخر القائمة، لكنها ظلت باستمرار تدور في حلقة مغلقة عميقة يميل كل اطرافها (الرسام والناقد والمشاهد) احدهم الاخر في ما يراه او ما يقرره الى ما لا نهاية، فاذا هي لا تبرح مكانها منذ اكثر من ثلاثة عقود مضت.

سنضع- منهجيا- التوصيف السابق للحرف في تداخلاته السيميائية بين اطراف الفن وحقوله، بين اللغة والرسم وبين حقول الفن المختلفة ذاتها، والنظام الذي يتحكم في العبور من حقل الى آخر، في طرق الانجاز والسياقات التي تحدد صيرورة اي عمل فني او لغوي. يقول هوغو: (الريح هي الرياح جميعا) تلك المقولة التي نتصدى لها ونحن نضع العواملالمشتركة بين الكاتدرائية والسمفونية، بين لوحة التصوير وقصيدة الشعر، وبين الشريط السينمائي. وطبيعي القول بأوجه شبه بنيوية نستطيع ضبطها وتدوينها والتعبير عنها بلغة محكمة، ولكن هذا لايعني اقتناعنا بعزل السياقات الخاصة بكل فن، من خلال التشبيهات المبهمة التي يعمد اليها البعض من الفنانين حصرا في نقلهم اعتباطا لشكل وهيئة معينة من منظومة بعض الفنون الى بعضها الاخر، متجاوزين الطاقة الداخلية للاشكال.

وفي بعض الاحيان يمكن النظر الى ذلك من زاوية اخرى، اي الانتقال من اللغة الى التشكيل على وفق نظرية جمالية خاصة، مثلما فعل (ميرو) و(بول كلي) و(دافيس) للخروج من المركزية الغربية للفن الاوربي والتي تأطرت كل انجازاتها تحت مبدأ البعد الثالث نظريا وعمليا الى فضاءات اخرى تعنى بانجاز استعارات خاصة وصولا لانجاز بنية جديدة تعتمد البعدين.

فكان الاتجاه الى استعارات (شكلية) منها ما يتعلق بالحروف واخرى باشكال الاقنعة او المسطحات اللونية الشعبية، وعندئذ ظهرت جمالية خاصة يصبح الحرف فيها خارج مرجعياته.. بل وخارج جغرافيته.

لا نريد الانتقاص من الفلسفة الشاملة التيبنى عليها هؤلاء الفنانون نظريتهم الو الغض من شأن التحول الكبير الذي طرأفي تاريخ الرسم، لكن الاشكالية تقع على فهم النظرية اولا ونقلها الى بيئة فكرية اخرى ثانيا. اذ لم يبق منها سوى الشكل محمولا على دلالات مختلفة كل الاختلاف عن منابعها.

هكذا فصل فنانو الحروفية العرب.. او الاصح رحلوا الصياغات والاساليب الغربية ذاتها الى مناطق قتلها، عند تحول اللوحة التشكيلية الى صفحة قراءة او (بوستر) يعلن عن هوية اللوحة ومرجعياتها. ناهيك عن تأكيد وظيفتها ذات الطبيعة الذرائعية.

لقد انحرفت اللوحة نحو صياغات مشابهة لتلك الايديولوجيات التي سادت في القرن التاسع عشر والتي غلفت الفنون بمفهوم الالتزام والاهداف او ما الى ذلك من استعمالات مشدودة الى غائية معينة او قطاعية، كالعودة الى اعادة الوثيقة الكتابية، متذرعين بما فعله الاوربيون في اعادة انتاج الوثيقة مثل اعادة رسم لوحة (كويا) اعدام الاسرى التي رسمها فنانون كثر من امثال بيكاسو وغيره.

ان فكرة اعادة انتاج الاثار المكتوبة او المرسومة يقع تحت تاثير السحر الدلالي الذي يحمله، او يلازمه عبر عصور متعددة، وامكانية الشكل في التعبير عن محتوى انساني قادر .

واذا سلمنا بهذا بالطور التشكيلي وتسميته وتقبلناه في موقعه ضمن مفهوم البحث الفني، فان طور البحث وعلى هذه الشاكلة في الانتاج الحروفي للخط العربي، او تشويه نظامه، لهو امر مختلف.

لان سياق الانتاج ومركز النظام البنيوي قد تغير، ليس في الشكل فحسب، بل في الدلالة ايضا.. فهناك فارق جلي بين الخط العربي على افاريز المساجد والمخطوطات المركبة وبين الخط والكتابة في اللوحة التشكيلية. هذا امر واضح، ولكن يجب وضع الانحراف اللغوي في منظور مناسب اي (الفن الخالص).

يمكن للبحث البصري في هذه الحالة، ان يحل مشكلات تتعلق بعزل مستويات التعبيرالبصري وعزله عن مستوى المحتوى، اي الفصل بين المكون التمثيلي والمون المجازي. فالاول هو اقتران الضربات والالوان والاشكال والحجوم والثاني ليس سوى مجموعة من الآثار احدها يضاد الاخر على اساس خصائصه البصرية واختلافاته.

وقد يقول البعض ان العودة الى الحرف واعادة انتاجه وبعثه من جديد انما يتجلى في ادراك الحرف لا كحرف، ولا بديل عن الشئ المسمى عندما يتشكل كلمة، وانما يتجلى الامر في كون الحروف ونحوها معناها وشكلها الخارجي علامات لا مبالية للواقع بل تمتلك شحنتها التشكيلية الخاصة وقيمتها الذاتية.

لكن علينا اعادة الفرضية والتساؤل عن القيمة التشكيلية للحرف وطاقته، خاصة عندما يمكن حصره في اشكال وكيانات. فالفن يوجد ليساعدنا على استعادة الاحساس بالحياة . انه يوجد ليجعلنا نشعر بالاشياء كما ترى وليس كما تعرف، ومهمته ان يجعل الاشياء (غير مألوفة) عندما يزيد من صعوبة الادراك واستمراره.. من خلال تقنية نفي المألوف .

ان اية مراجعة لانجازات اللوحة الحروفية في الوطن العربي، تعيننا في الكشف عن المرجعيات المتحكمة فيها، والقيم والمقاييس التي تشكل قسما اساسيا مما نسميه "النظام المنغلق للاشكال البسيطة" داخله . ثم اشكال متعددة للحرف في اسلوب استخدامه، مرة مقروءا ومرة مطمسا يميل الى الكلاسيكية، او يتحرر من القيود والضوابط، يظهر على شكل كتابات مختصرة او مجرد حروف تندمج بالوانها او تتشاكل مع الوان السطح، منفصلا مرة ومتصلا اخرى.. وعليه نستطيع تعداد وحصر ظهوره في ثلاث مراحل:

المرحلة الاولى: تقوم على ضبط الحرف والاقتراب به الى موقعه التاريخي في اعمال الخطاطين، وفي ذا ت الوقت الخروج الى تركيبات وتعالقات خارج نسقه .

ان الاشكال المعقدة للكتابة التاريخية قد اعتمدت بسبب التقنيات والقيم في فرض سيطرتها على حقبة طويلة، شكلا من اشكال اعادة الانتاج، معتمدة على قدرات الفنانين في تجويد الخط العربي ودراستهم الاكاديمية له امثال: نجا المهداوي ومحمد سعيد الصگار وصادق الصائغ وحسن المسعودي واياد الحسيني وروضان بهية وغيرهم .

المرحلة الثانية: هي محاولة نقل الحرف من المكتوب الى المرسوم، اي تغيير تقني في المادة وتبديل المداد بالزيت والورقة بالقماش، والانحراف بالخط من جاهزيته القاعدية الى بدائية في طريقة العرض .

هذان التجليان ينحرفان باللوحة من مسارها المنضبط الى محاولة الانفلات الى مساحة جمالية اوسع.. عندها انفصل الحرف عن سطحه وبانت ملامحه وتنوعت توزيعاته وتعددت آليات اخراجه . لكن لايمكن وصف هذه الاعمال بأكثر من كونها عرضا لمهارة لونية تقليدية في التاريخ الدراسي للرسم والتصميم .

وان اعمال ضياء العزاوي وجميل حمودي واحمد شبرين ووجيهة نحلة وسعيد عقل وغيرهم هي اكثر تمثيلا لهذا .

المرحلة الثالثة: وهي الانعطاف الاكثر مغامرة فيما اصطلح عليه (بالحروفية – التجريدية). اي الابتعاد بالحرف عن ادبيته والتحول به الى فضاء صوري يكون فيه الحرف جزءا من منظومة اوسع من الاشكال على الجدران او المخلفات والآثار الكتابية. ويمكن عد هذه المرحلة استثمارا للتراث الغربي بوصفه مصدرا لأمكانات بنيوية تتميز بثلاثة مظاهر وينظر اليها من ثلاث زوايا: العالم الذي تشير اليه او السياق الذي وضعت فيه (سماته البنيوية وتجمعاته) هذا اولا، ثم المظهر الصوري الثاني بما في ذلك اسلوب التعبير وكل ما له تأثير في اللوحة مثل الحرف واللون والملمس والسطح.. الخ . والثالث هو مايمكن تسميته بالافق الدلالي .

ولا يسعنا التمدد في دراسة كل ذلك، لان مجال البحث لايسمح، لكن يجب القول ان هذه المرحلة اكتسبت مشروعيتها في نقل الحروف لا كحروف بل علامات، او هكذا تم التنظير لها .


والسؤال ما هذه العلامات ؟

هل هي علامات عرفية، طبيعية، ثقافية، واين يمكن وضعها في السلم السيميائي؟ ام هي علامات صوفية، ام هي (طلاسم) يعسر التلفظ بها ويصعب التعرف عليها، ويعسر على العين تمييزها لانها تعود الى عالم المثل (هكذا يقولون) حيث موطنها الذي سحبها من التداول البشري اي من حيزها المادي والدنيوي فتعطلت بذلك دلالتها القاموسية لتسترد دلالة لا نهائية قد لا يحصرها عقل، لذلك يسعى الفنان الى التحرر من الوعاء الصوتي او الوعاء الكتابي... هكذا خرج علينا منظرو الحروفية لنقل بنيتها من واقعها الى تحولها بنية صوفية ناجزة الكمال.. وكأننا نبحث عن جواهر لا عن حقائق مادية (لوحات) تمكن مشاهتها ولها وجود فيزيائي وتقرر تحت نظام ما.

انجز الفنانون، تحت هذا الغطاء، اعمالهم ومنهم: شاكر حسن آل سعيد ورافع الناصري وكريم رسن وهناء مال الله وعيسى الغانم وانس الشيخ ومحمد العتبي وغيرهم.

ان اعمال هؤلاء تفرض اخفاء مدلوها من خلال اظهاره، اواظهاره من خلال اخفاؤه، وفي الحالتين فان هذه اللعبة البسيطة والجاهزة والمتكررة، لم تستطع ان تخفي ما وراء انجاز الاعمال او اغلبها تحت سلطة التداول، وانتاج خطاب يدهش المتلقي (غير العربي) لصالح تداول اللوحة، وهي بذلك لا تخرج عن تذوق الغربي للسجاد والبسط البدائية لا لفنيتها او تقنيتها او حضورها الجمالي، ولكن لانها تختلف لا غير. وفي ضوء ذلك فانا اتفق مع الدكتور المطلبي في انغلاق اللوحة اذا كان ما يعنيه هو التلقي وتحديدا المتلقي العربي لكن ابعاد بؤس الحروفية ليست في تلقيها وحسب، بل في بنيتها وخطابها ومرجعياتها.