فـن الكرافيـك - هوية الاصيل والمستنسخ

مقدمة

يطور فن الكرافيك فلسفة ومقاربة للاتصال البصري تعكسان تقليداً ثقافياً – نظرياً، وتطبيقياً مادته والاسس التي يمكن من خلالها بناء سياقاً كرافياً ان صح التعبير، وابتداءً لا نريد ان نعطي تعريفاً لفن الكرافيك، فقد قيل ما يكفي بعد ان اصبح هذا النوع من الفن يمثل الحداثة، وما بعد كذلك الحاجات الاجتماعية المتنامية لان من بعد عودة التداوليات الى واجهة المعرفة.

لقد تعددت الاساليب الكرافيكية، واتخذت ابعاداً مختلفة استقرت انماطها في ازمنة مختلفة، وطورت في ذات الوقت اساليب تقنية، ادت الى وقوع تغيرات عميقة في صناعة "الجميل" العتيقة. فلم تعد المادة ولا المكان والزمان في بدايات القرن الواحد والعشرين كما كانت، لذا يجب ان نتوقع ان مثل هذه التجديدات الشاملة ستغير تقنية الفنون باسرها. وستؤثر في هذا المنحى على مفهومنا للفن ذاته.

ان البحث يحاول ان يقوم فن الكرافيك والمفاهيم الاجتماعية التي فرضت نفسها على اساليب انتاجية وتوجهاته، والخطاب الذي يمكن ان يؤسس في الاتصال البصري المعاصر. في عالم اصبح فيه التعدد والكم النسخي للفن – ليس اداة من ادوات الاتصال وحسب – بل كذلك الى تجديدات في نظرية الفن واستخداماتها الاخلاقية والسياسية معاً.

ان البحث يسعى الى الكشف كذلك عن مغزى التعدد النسخي والطباعي.. الذي جعلنا نلتهم الصور بصرياً في كل مكان، كما نلتهم الصوت، والغذاء.. بعد ان وصلت تقنيات الاستنساخ الالي مع حلول هذا القرن الى مستوى لم يسمح بتطبيقها في جميع الاعمال الفنية السابقة وتغير اساليب فاعلة هذه الاعمال تغيراً جذرياً فحسب، بل سمح لها ان تفرض نفسها بوصفها اشكالاً فنية اصيلة ايضاً واكثر ما يكشف عن هذا المستوى هو الطريقة التي اثرت بها على اشكال الفن التقليدي ظاهرتان من ظواهر هذه التقنيات هما: الاستنساخ الالي للعمل الفني ودخول الحاسوب.

 

الكرافيك.. المفهوم والنسب التاريخي:-

مفهوم الفن الكرافيك على محورين. اولهما التعدد (النسخ الالي) للعمل الفني والثاني محاولة هذا الاتجاه الى التوفيق بين الوظائف الفنية (التصميم الكرافيك) من جهة، والفن الخالص من جهة اخرى.

ولكي يظل الاستنساخ الالي (الطباعة) للعمل الفني ظاهرة جديدة في عالمنا. فقد تطورت خلال حقب تاريخية بفعل الفقرات المتعاقبة.. والتي تفصلها فترات تاريخية طويلة من الزمن، ولكنه تم كل ذلك بايقاع سريع. فلم يعرف الاغريق سوى نوعين من الاستنساخ التقني، الصب والطبع. ان الاعمال الفنية المصنوعة من البرونز او الفخار بالاضافة الى العملات، الوحيدة التي يستطيعون تصنيعها بكميات كبيرة( ). ما عدا ذلك كان العمل الفني فريداً لا يمكن ان يستنسخ الياً. وقبل الاغريق عمل فنانوا وادي الرافدين في العراق القديم (3003 سنة قبل الميلاد) على انجاز الختم الاسطوانية والصفائح المعدنية.. ونعلم كيف حدثت التحولات الضخمة في الادب عند ظهور المطبعة التي تتيح انتشار الكتاب، ومهما كانت اهمية هذا الاكتشاف، فانه ليس سوى مظهر خاص من مظاهر عامة ننظر اليها على مستوى التاريخ العالمي، وقد اضافت العصور الوسيطة الى الحفر على الخشب الحفر على النحاس كما ظهر في بداية القرن التاسع عشر الطباعة عن الحجر.

وصلت تقنية الاستنساخ في الى مرحلة نوعية جديدة مع ظهور الطبع على الحجر (Lithography) فتميزت هذه العملية التي كانت اكثر دقة من غيرها بانها تقوم بنقش الرسم على الحجر بدلاً من حفره على النحاس او الخشب، وسمحت هذه التقنية لفنون الرسم ان تطرح منتجاتها في السعق – لا بكميات كبيرة كما كان يحدث في الماضي – ولكن في صدر واشكال دائمة التجدد.. اصبح الرسم، منذ ذلك الوقت، يصور احداث الحياة اليومية الانية.

هذه النقطة بالذات تحاول انجاز الانحراف الذي اشرنا اليه. والذي عمل على اعادة ترتيب التذوق الفني والجمالي في الموضوعات كما في الاشكال والكيفيات الفنية، وساعد على عمومية هذا التوجه ظهور الفوتوغراف.

فبواسطة الالة يستطيع المصور ان يسجل الصور بنفس السرعة التي نتكلم بها.. ولاول مرة في التاريخ تتحرر اليد من الاعباء الاساسية..

ولكن السؤال هو: ما الذي حدث للسياق الفني وما الذي فعله الكرافيك في الشكل وارداء والوظيفة والتذوق داخل المؤسسة الفنية التاريخية وسياقها؟( )

الاصيل والمستنسخ:

كان الاصل (في اللوحة التشكيلية) يحتفظ بكل سطوته اما النسخة التي صنعتها يد الانسان ودفعت بالزيف، ولكن الامر قد اختلف في مواجهة الاستنساخ الالي لسببين: فمن جانب يتمتع الاستنساخ الالي بدرجة اكبر من الاستقلال عن الاصل، اذ تستطيع الكاميرا ان تبرز جوانب في العمل قد تغفلها العين المجردة، ومثلها تستطيع تقنية الاستنساخ الكرافيك من خلق شواهد تقنية لا تستطيع اليد اتمامها او اخضاعها الى متطلبات معينة. وبفضل وسائل مثل التكبير او الحركة البطيئة واشتغال الالة تمكن التوصل الى حقائق تجهلها الرؤية الطبيعية. هذا من جانب ومن جانب اخر وهو التداولي تستطيع هذه التقنية ان تنقل المستنسخ الى موقع لا يمكن ان يوجد فيها الاصل، على شكل صورة او اسطوانة او عمل كرافيك.. يسمح الاستنساخ والطبع بان يقترب العمل الفني من جمهرة المتلقي.. حيث تترك اللوحة مكانها الحقيقي والواقعي لتحتل مكاناً داخل البيوت والازقة والمحال.. مثلما تتيح تقنية الاستنساخ لهاوي الموسيقى ان يسمع حفل موسيقي عزف في الهواء الطلق او داخل ستديو ان يسمعه في بيته. ان النسخة الالية من العمل الكرافيك لا تمس جوهر العمل الاصل او تلامس كيانه اطلاقاً، ولكنها بدون شك تحط من نوعية حضوره دائماً.. مما جعل المهتمين في النقد الفني ان يصنعوا بعض القواعد التي تحدد عدد النسخ والقيمة الفنية بين اولها او العاشرة منها ويؤثر ذلك في مكانة النسخة الكرافيكية.

يمكننا ان نشير الى انك عندما تعيش حالة داخل منظر طبيعي فان حواس لشم واللمس والبصر والسمع تعمل حقل الواقع ولو شئنا ان ننقل المنظر ذاته الى حقل السينما فانك ستفقد كل الحواس عدا البصر، والبصر وحده لا يكفي لنقل الاحساسات كلها. وهكذا فان الانتقاص من القيمة يمس نواة حساسة في العمل الفني: اصالته، بينما لا تتعرض الاشياء الطبيعية لمثل هذا الانتقاص، واصالة الشيء هي خلاصة كل ما هو قابل للنقل اليه منذ نشئته، بدأً من مدى قدمه الى ظواهر التعرية التي تشهد على تاريخية وتفرده، وبما ان هذه الشهادة عمادها اصالة العمل الفني فانها تتلاشى في الاستنساخ عندما ينعدم هذا التقادم وقد نعبر عن العنصر المفقود بكلمة (العبق)*Aura ونخلص من ذلك الى: ان ما يتلاشى في عصر الاستنساخ هو عبق العمل الفني. وذلك دلالته بلا شك، ولكنها تخرج عن مجال المستنسخ من مجال المأثور فالاستنساخ يستبدل بتفرد الوجود تعددية النسخ ويسمح الاستنساخ للمتلقي باستقبال المستنسخ في محيطه الخاص حيث يبعث العمل حياً، وقد ادت هاتان العمليتان الى زلزلة عاتية للتقاليد المأثورة… زلزلة هي الوجه الاخر للازمة المعاصرة وهي التجديد للبشرية وهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالحركات المعاصرة.

هل يمكن في ضوء ذلك اتهام مادة الكرافيك بانها (ذات) تقوم على عصر الالة ام ان الكرافيك يعمل على انتهاك السلسة التاريخية للوحة الفنية.. في عمل (خرق) داخل الحساسية الانسانية ازاء الفن؟ ومع الاساليب المختلفة التي قام الكرافيك بتفعيلها فقد ازاح الطقوسية المرتبطة بالعمل الفني، والقداسة التي كانت تتحكم في انتاجه، منذ رسوم الكهوف الاولى وعصور ما قبل التاريخ عندما كان الفن اداة من ادوات السحر في المرتبة الاولى نتيجة التأكيد المطلق على قيمته الشعائرية ولم يعترف به كعملاً فنياً سوى في وقت متأخر. واليوم وبنفس الطريقة فان العمل الفني يقوم على القيمة الاستعراضية حيث اصبح للابداع وظائف جديدة. وقد ينظر الى القيمة الفنية للعمل الفني على انها وظيفة عارضة تماماً.

ففي عصر الحداثة وما بعدها عملت فكرة اقصاء الفنية على انشاء معمار خاص بالافكار والاحداث والانتاج..

يتأسس على دحر القيمة الاخلاقية للفن، ومثالاً فقد اقام (كلاين) معرضاً للفراغ: صالة عرض مطلية بالابيض. خالية كلياً من الاثاث وقد انتصب حول مدخلها احد الحراس، لقد حضر البير كامو هذا "المعرض" وكتبت في نقد الزوار هذه الكلمات: "في الفراغ قوى كامنة".. لقد احتشد الاف الزوار لمشاهدة افتتاح هذا المعرض وكان الامر اشبه بمظاهرة صافية. ومن افكار كلاين الاخرى انه قام بعرض مناطق من حسية صورية "لا مادية للبيع" وقد اشتراها احدهم بورقة ذهبية ما لبث الفنان ان القى بها الى نهر السينما وقام الذي اشتراها باحراق وصل الشراء( ).. ان قراءة الحدث تدل على شيء من العبق والاصل بل هو بوقفنا باتجاه الفن، فلم تكن المشاهد الجمالية العريضة للوحات سوى مظهر من مظاهر الازمة التي بدأت تواجه الرسم، لم يكن سبب هذه الازمة هو الالة فحسب، بل بدأت الاعمال الفنية تكتسب قدرة ذاتية شبه مستقلة على اجتذاب الجماهير العريضة ايضاً. ان طبيعة الرسم لا تستدعي الاستقبال الجماعي المتزامن، الذي اتيح دائماً للعمارة. وكما كان الحال بالنسبة للشعر الملحمي، وكما للسينما، تؤدي بنا هذه الاستنباطات فيما يخص دور الرسم الاجتماعي. ومن الواضح ان مثل هذا الوضع يشكل تهديداً حينما يوضع الرسم تحت ظروف خاصة ورغماً عن طبيعة وجهاً لوجه مع التداول والاحساس بالامتلاك.. ان التعبير الذي احدثه فن الكرافيك هو التحول في عرض اللوحات الفنية من المتحفية والتفرد الى التعدد الذي انشأته (الصالونات) الفنية وصالات البيع.. الكرافيك حقق اثارة تطلعات ومؤثرات جديدة. تتطلبها حاجات الانسان المعاصر في دخول (الاستطيقا) ميادين متعدد منها استطيقا الحب، والحرب والنزوع الى تمجيد ايدلوجيا التكنولوجيا..


فليتحقق الفن ولو هلك العالم :

الشعار الذي عزم على تقديم اشباعاً فنياً للادراك الحسي الذي غيرته التقنية وهو النموذج الاكمل لنظرية الفن بدأ حدود، التي اغتربت عن نفسها حتى تستطيع ان تعيش دمارها بوظيفة متعة من الطراز الاول…

وفي ضوء هذه الحقائق يعيش العالم على ضفاف الالة وتقنيات الاستنساخ حيث صار الواحد يساوي المجموع وهو ذاته مجموعاً.. ان النسخة الكرافية تحقق انتشاراً كبيراً لكنها تتحرر من قيود التاريخ والعبق والصوفية التي صبغت الفن على مر العصور.