الواقع ودرجة صفر الرسم - الاستدعاء والمغايرة

مقدمــــة:

تسعى هذه الدراسة الى ان تكون قراءة في الرسم والكتابة عن المرسوم.. ان تجمع بين ضبط المنهج وتحرر التطبيق، وان تقدم اقتراحاً محكماً لسلم الشكل واجتراحاً مطولاً بالدوران حوله. ومع تباين النظريات المعتمدة على الالسنية والسيميولوجيا والتأويلية فأن التصور الذي نختاره ونقوم بتركيبه داخل فن الرسم يتأسس على قطبي المرجع والرؤية الامر الذي يسمح باستيعاب الافق الفني للظاهرة وتجاوزه الى العوامل المدركة لانماط القراءة بما يدخل في قلب نظرية النص ويستوعب جماليات التلقي.

المحور الذي تقوم عليه هذه الرؤية هو الشروع بربط "درجة الصفر" بعدد محدود من مقولات المعنى داخل اللوحة، بحيث يشكل شبكة مكونة من مجموعة تحالفات بين درجة التشاكل ودرجة الاستعارة والاستدعاء ودرجة الانحراف في تشتته او تجريديته. بحيث يتكون من ذلك جهاز مفاهيمي يسمح بوضع مختلف التجارب الفنية على سلم نقدي قابل للقياس الوظيفي مع التسليم بشرعية جميع الانماط الابداعية ومحاولة التعرف على مكوناتها الاسلوبية والجمالية.

لقد نجم من ترك التطبيق مفتوحاً الانفتاح على مدارين احدهما يشمل الاساليب التعبيرية المحملة بمرجعيات قبلية والتي تهتم بالمعنى والايصال والابلاغ والايقنة والحسية والواقعية الموضوعية والثاني يهتم باساليب التجريد والانزياح والتمدد الدلالي.

وسيتهم البحث بالجانبين معاً، والتنويعات التي تثيرها اشكالية كل منهما.

اما حدوده فأني سأجعل من التحولات والانزياحات في ميدان البحث حدوداً زمانية، والبحث ليس مهتماً بنظرية المكان لان حدود المكان لا تؤثر في مثل هذه البحوث التي تعتمد منهجاً يحاول تلمس الانتاج الفني خارج المكان.

 

"ما ليس له معنى، له معنى  ، متفوق على الذي له معنى"

                                                                                  فلوبير

"تبدأ الحداثة بالبحث عن شيء مستحيل"

                                                         بارت

 

ان البحث عن مظاهر "الدلالة غير النسقية والمرجعية" في فن الرسم لا يعني بالضرورة تجاهل المرجع، فمن الواضح ان قسماً كبيراً من دلالة المرسوم يؤدي باستمرار الى مظهر مرجعي خاصة اننا نعيش في الرؤية البصرية على خبرات الواقع والمشاهدة، وبفضل المظهر البصري يرتبط الشكل بالواقع الذي هو فعلياً خارجي عنه.

هذه الظاهرة يثيرها حضور ما ندعوه ("الشكل غير المطابق )أي الشكل الذي لا يشير بصدق الى مرجعه، حيث يصبح في داخل الرسم اكاذيب وانماط بصرية…الخ. تكتسي هذه الاشكال المخادعة اهمية نظرية غير متوقعة لانها تتجاوز الواقع المقصود الى المرسوم.

فلا يمكن للمتلقي من التوقف عن حدود المرجع من خلال البصري لان جزءاً من اهتمامه ينصرف حتماً الى الشكل في ذاته، وهنا تبرز مشكلة الكثافة التي هي اول مظاهر الدلالة المختلفة عن المظهر المرجعي، وسنسميها (المظهر الفني) الذي يتجلى عندما يكون المرسوم (اللوحة) هو المقصود وليس مرجعه.

في الرسم تقوم علاقات (غيرية) مع الواقع المقصود، فالعلامات الهندسية والشكلية لا تتحدث إلا نادراً عن الارسالية، لا لعدم اهتمامها بها، بل لان اثارة الشكل على اعتباره معنى يشير بسهولة الى المرجع المتخفي وراءه، ولا يعتبر هذا الشكل تراكماً غير مفهوم من الاشارات او العلامات، بل يعتبر وحدة معنى حيث تكون الاشكال ليست اشياء او سلاسل من الالوان والخطوط وحسب بل هي تنويعة متفرعة عن المظهر الحرفي القادر باستمرار على تزويد اللوحة بكثافة معينة، لان دلالالته لا تتركب بالمثير وحده بل بما يجب ان يكون عليه بصرياً، ومثالاً فقد انيطت مهمة خاصة بالاسلوب وهي ان تجعل المحاكاة ممكنة بين منطوقين لهما نفس الكلمات، لكنهما مرتبان ترتيباً مختلفاً، يشير فالموت بعد استجابته لمدام دي مورتوي عندما كتب : لقد اعتنيت برسالتي كثيراً وحاولت ان اوزع عليها تلك الفوضى القادرة وحدها على تصوير العاطفة. لتصبح الفوضى اداة ايصال غير مرتبط بالخبرات القبلية لنا، والتي تؤسس عليها فكرة الحقيقة من عدمها( ).

فالكثير مما يمكن ان نعرفه لا يمكن اكتسابه عن طريق القواعد والمعارف بالرغم من ان الوعي الانساني كما يراه جادامر محكوم تاريخاً… أي محكوم بمحددات تاريخية فعالة ومؤثرة في وعينا التاريخي والعلمي الحديث الذي يسميه الوعي التاريخي الفعال Effective Hestorical – Consciousnessلان وجودنا متأثر بمجمل تاريخنا، ان وجودنا يتجاوز القدر الذي نعرفه عن انفسنا( ). هذا يعني ضرورة ان نعي الارث البصري والاعتقادي لمعارفنا.. فالتاريخ، وتاريخ الاشكال تحديداً يصنع عندما يؤثر فينا من وراء ظهورنا، فالنزعة المنهجية عبر تاريخ الفن تتعامل مع الاشكال الفنية بطريقة يفرضها التشفير التاريخي للاشكال المخزن لدينا، حين يصبح الرسم مجرد تاريخ لافعال مؤسسة سلفاً، ولا نتعامل معه كموضوع عياني ملتحم بخراتنا الحسية( ).

ان الرسم بهذا التوجه احد الموضوعات التاريخية ومن خلاله يصنع التاريخ حينما يؤثر في الذين يخبرونه والمشفرين به جنباً الى جنب مع خبرة الفلسفة والتاريخ الهام للاشكال والوحدات.

لقد شغل الفن، والرسم منه، مساحة واسعة من اهتمام الهيرمونطيقا ومثلما صرح جادامر: فان الفن في النهاية لا يمثل نفسه بل يظل موضوعاً خصباً بالنسبة. الى البحث، شأنه في ذلك شأن الفينومينولوجيا ذاتها التي كانت تهتم بما يتجلى لخبراتنا على نحو عياني وحدسي مباشر… الفن اذن يقدم لنا انموذجاً خصباً للحقيقة التي تحدث في خبرتنا من خلال خطاب مباشر وتظهر لنا تناهي الفهم الانساني باعتباره حقيقة ليست نهائية وانما حقيقة ترتبط بعالم الانسان المعاش الذي يتجاوز اطار القسمة الثنائية الى ذات موضوع والتي هي من صنع المنهج ولا تتمثل على مستوى الخبرة المعاشة( ).

والحال هل تؤول الخبرة الى معتقدات ورؤى واحلام؟ ام انها عناقيد من العادات؟ يقود السؤال للرجوع خطوة الى المجال المغلق للرسم الذي يولد المعنى بين الواقع الخارجي والواقع الداخلي… وهكذا يكون التركيز على نظام الدلالة الذي يعمل داخل الرسم على خلق الدال الشكلي وينأى مؤقتاً عن تفعيل المدلول الموضوع سلفاً والمحمول على كتف الدال.. ففي سجن الفن الابلاغي صار الرسم نظاماً نتعلمه من قواميس جاهزة تنوء مفرداته بالخبرات القبلية للدلالة… حيث اصبح التجميع وليس التركيب … صار الايصال الموضوعي مركزاً في عمليات الانشاء الفني. ولذلك استعير مفهوم صف الرسم( ).. عندها يمكن عزل الجمالي عن الابلاغي حيث تفرع الرسم عبر تاريخه الى جداول وتقسيمات يمكن من خلالها عزل ظاهرة (اللوحة المرسومة) عن (اللوحة الواصفة)( ).

 

درجة صفر الرسم:

انطلاقاً من العلامة كونها حرة التوجه نحو المدلول.. فأنه يمكن اطلاق الدال الى اقصى ما يمكن ان يذهب اليه حتى الى ما بعد التحلل.. الانطلاق التام حيث تتسم الاشارة ظهر حالة من اليوتيبيا حرة تتحرك خارج القوة التاريخية والجدليات الثقافية( ).

ففي الرسم نكون امام حالة استدعاء الدال، هذا الاستدعاء يشكل اولوية التكوين الفني، لان افتراضات عدة ستحضر معه .. اولها اشكاليات التفسير التي تحاول تجاوز حدود الامكانات الدلالية وخلفياتها، ذلك ان المجتمعات محاصرة اولاً بمعترك المعاني وان ازاحة النقد التقليدي والقراءة لا تتم إلا في المعنى وليس من خارجه، تتحكم في ذلك قواعد الاتصال والتداول التي تقرر فاعلية العمل الفني. ولكي تكون قراءة الاعمال الفنية فعالة فلا بد لها من التحرك في حدود المعنى"( ).

ولذلك فاشكالية فهم الرسم، أو هكذا يتصور البعض تبدأ من قراءة المعنى المحمول به، ولذلك نحاول هنا فك اشكالية بدأت تأخذ متسعاً مهماً في الدراسات النقدية.

فماذا يمثل استدعاء الدال، والاستعارة، والبلاغة وهل يمكن تحرير هذا الدال من محمولاته التاريخية والسياقية؟ واذا امكن ذلك. فهل لظاهرة الفن الحديث دوراً في تفسير عالمنا الانساني…؟

هذه الاسئلة مهمة لفك شفراته، وبعد ذلك قراءته لان الفن… ويشهد اغتراباً داخل الحقل الانساني، وخصوصاً الفن المعاصر الذي يريد خلق سياقه خارج مرجعيات النظام الذي اعتادت عليه العين في الرؤيا والذي اكدته ثورة (الفوتوغراف) في نقل حقيقة الواقع والطبيعة بكل توازنها.انها حالة من حالات الاغتراب والانزياح وكسر التوقع وعلى هذا النحو نجد صعوبة تفسير الاشكال التجريدية في الفن.

لقد كانت لاتجاهات التفسيرية تعتمد على عناصر السلسلة التاريخية والفلسفية والانثربولوجية للاعمال الفنية، وهي تسهم في صناعة سياق الفن وانتاجه حيث تصبح الاعمال واللوحات وكانها تشير الى ملصق يستمد دالة ومدلوله من المعجم اللغوي والقصصي والاسطوري.

وعند عتبات الحداثة، حدث انزياح في مراكز المعرفة والاتجاهات… يذهب بالمحمولات القبلية داخل اللوحة الى الوراء… لقد فعل الفن المعاصر الاضطراب الحاصل بين الممارسة الفنية والممارسة الحياتية.. وكنموذج من مثل (البيتنك) الامريكي يوضح الخلط بين الحياة في الفن والفن في الحياة والذي نتج عنه احلال ما يفترض انها حياة الفن بدل النظام المطلوب لخلق الفن. ونتج عن ذلك ما سمي (بالتشويه البصري) وليس على المرء إلا ان يعيد الى ذهنه وجود نساء بيكاسو ذوات الملامح المحسوبة والتي اعيد ترتيبها من جديد، وكذلك الانبعاجات والثقوب في اعمال النحت عند (هنري مور) ومعظم لوحات (فرانسيس بيكون).

ان هذه الاعمال لا تقول اشياء واضحة لكنها تقول اشياء كثيرة شأنها شأن صحيفة الاب (ديشين) الذي اصدرها الصحفي هيبير، والتي كانت دائماً تبدأ بكلمات وقحة مجافية للياقة، ولم تكن الكلمات تعني شيئاً إلا انها كانت تشير الى اشياء.. الى ماذا؟ الى وضعية ثورية بكاملها وهذا مثال لكتابة لم تعد تقتصر وظيفتها على الايصال او التعبير بل تفض في ما وراء لغة في آن واحد( ).

في فن الرسم يمكن اعادة انتاج هذه الصيغة من خلال منطق يعتمد على مفهوم العلاقة، أي العلاقة التي تشير الى ما وراء اللغة. ومثالاً يمكن استدعاء برج ايفل وهو بالتأكيد موضوعاً مجرد من المنفعة لان لا جدوى برج ايفل يمنحه امكانية انه يفيد ما دام علامة والشيء نفسه فأنه لا جدوى رسم الواقع ربما يجعله ذا امكانية ان يتضح من وجهة نظر علامية.. يشير بارت الى ذلك باقتراحه في تكاملية الاطراف حيث يقول: "ان شكل العلامات فارغ ولكنه حاضر ومعناه غائب لكنه مليء" وان الغياب في الواقع حضور والخواء امتلاء واللاشخصي هو النتيجة الوحيدة للشخصي"( ).

ان هذه المقولة تعيد بناء الدال سواء في الفن او الادب وكذلك تبعث على انتاج اللوحة في بنيتها الشاملة لا كعلامة وحسب وانما كعلاقة دالة لا شعورية وغير مرتبطة بالاخلاقيات الحياتية السائدة.

يقول لاكان: ان البنية الشاملة للادب هي بنية لا شعورية وهي تشبه الى حد كبير حالة الحلم حيث يكون في هكذا نوع من استدعاء الاشكال (الفعل للدال) بينما المدلول في حكم التفسير وهو شيء طائر، ومع لاكان، فأن الدال في الفن يتحرر من طمر المدلول ويكون لدينا عندئذ (مدلول منزلق) (Sliding) ودال عائم (Fliating) والانفصال بين الدال والمدلول يحدث نتيجة لانفصال تم بين التجربة والذات( ). بين ان تصور تجربة قادمة حيث نبني الذات الفنية التي نريد ان تظهر في المجال الجمالي، وعند ذاك وفي المسعى المذكور نصقل التجربة وننظمها بين مادية الرسم وحقيقته عندما ننصرف في ذات الوقت عن التجربة كحادثة واقعة ابدية في صورتها الواقعية، يتولى الدال التشكيلي فعله في صرف النظر عن القوى الضاغطة ويبدأ الحاجز بالتشيؤ من قلب العلامة صراعاً بين الحقيقة والرسم، بين المعنى والشكل ليتركنا وجهاً لوجه مع ما اسماه لاكان (بالاشارة العائمة) حيث يكون دورنا كمشاهدين هو تفسير الاشارات أي البحث عن نواة رئيسي مخزون في اللاشعور يمثل حالة الصفر.. حالة التقبل بلأ مرجعيات مخزونة.. حالة اللا معنى وحسب لاكان قمة انعتاق الدال وتحرره.. الذي انتج الانقلابات الاسلوبية الخطيرة في تاريخ الفن( ). التي تنفي التمركز المنطقي(*) في المفهوم الفلسفي، حيث يصار الى ان اللوحة التشكيلية (لا تريد قول ما تقوله الصحف) وانما تريد احداث الاثر، الاثر في ذاته. هكذا فعل بيكاسو متجاوزاً حالات الترسيخ التدريجي للشكل الكلاسيكي بصفته موضوعاً لنظرة ما، حيث تشهد الاشكال تحولاً اخيراً للاشكال والعلامات كما هي بدون وراثة…الرسم الابيض ذلك الذي فعله جاكسون بولوك وموندريان.

 

الجسد التشكيلي:

اشكالية الوهـم:

الوهم مبدأ هام في الفن، بل هو في الواقع مبدأ اساسي، حيث يتم التوصل الى التجريد الفني بدون عملية تعميم كالتي نستخدمها للتوصل الى التجريد العلمي، فدور الوهم كما ترى (لانجر)( ) دور هام وليس له أي علاقة بخداع الظن او الهروب من الحقيقة –الوهم يقوم بوظيفة جديدة يصرح بها، فقد تعلمنا ان نرى فقط بالقدر الذي نحتاجه لاغراضنا .. في الحياة العامة الفعلية يقرأ الانسان العادي فقط اللافتات الملصقة بالاشياء المحيطة كما هي دون أي عناء اضافي، وكل الاشياء المفيدة لسبب او لاخر تغيب وفقط حينما يوجد شيء ما في حياتنا وليس لنا غرض سوى ان نراه كما هو الحال بالنسبة لحلية او حجر ثمين، يتخذ الانسان العادي ازاء مثل هذه الاشياء موقفاً فنياً صرفاً قوامه الرؤية المجردة. الرؤية وحدها… هذا هو هدف الوهم في الفن التصويري( ).

 

المشكلة الرمزيـــة:

هذه الطريقة التي يقدم فيها الفن نفسه ( البنية التشكيلية) ولكن مع الاقرار باستحالة فصل الشكل عن احدى تجسيداته الفنية او تعابيره المرجعية فاننا ازاء اشكالية التفكير بين الشكل المنطقي والمعنى الذي يعطيه بين الشكل الذي تعطيه اللوحة وبين توسطها.

الشكل الدينامي للشعور يمكن ان يرى في اللوحة وليس عن طريق توسطها وياخذ كل من الشكل الرمزي والوظيفة الرمزية والاهمية الرمزية شكلا مكبرا في التجربة واحساسا بالجمال وحدسا بالاهمية( ) فما يطلق عليه (التذوق) انما هو حدس منطقي في صنع الشكل المنطقي الذي يؤكد حقيقة اننا نشعر به اكثر مما نعرفه . والحال فان هذا الشعور يرتبط بالطرق المختلفة التي يعالج بها المرء سلسلة مادية معطاة لانتاج تعبيرات ومعالقتها بمحتوى مفترض . ولاجل بيان هذا اقترح فلوبير في قوله "التعبير عن الفكرة" التي هي مفهوم التجربة الذاتية او حياة الشعور. وهنا حينما نتحدث عن الشكل في الرسم فأننا نقصد شيئاً مجرداً، على الرغم من ان العمل الفني شيء محدد وفريد، انه اكثر من الشكل الفيزيقي، حتى حينما يكون الشكل هو احد اهم عناصر العمل الفني.

فالشكل الذي يبدعه نحات يتأثر بصورة عميقة بلون وملمس المادة التي نحته منها. والمنحوت ينبغي ان يتشكل ويأخذ صورته النهائية اذا ما اريد له ان يكون اكثر من مجر شكل. أي اذا ما اريد له ان يكون شكلاً تعبيرياً( ).

يجب رؤية الامكانات الرمزية للشكل بالمعنى العام أي شكل منطقي. لكن الشكل المنطقي كما ترى لانجر.. ليس شكلاً مرئياً انما هو شكل تصوري.كيف يحدث ذلك؟

في العادة نرى اشكالاً وصوراً والواناً وحركات. أي باختصار نرى مظاهر اشياء دون ان نكون واعين لمظاهرها الخاصة ونستخدمها فقط باعتبارها مؤشرات لاشياء مدروسة. فاحتياجات حياتنا الفعلية قوية بحيث ان الشعور بالبصر يصبح متخصصاً جداً في خدماته… فحين يراد لتعبير ناقص من حيث مرجعياته ان يوسع الى جانب نوعه – ما دامت الثقافة المقترضة لم توفر نموذجا عمليا وان لم ينتج بسبب ان المحتوى الواقعي المراد التعبير عنه لم يحدد بعد ، فلا بد من تقديم تعبير جديد ومحتوى جديد وطريقة جديدة لتعالق الاثنين ، مما يجعل الرسم في ذاته يبتكر شفرته الخاصة وفي ذلك تكون الاشكال حرة لا تطابق الانواع المختلفة من الاشكال بل تعمل هذه الشفرة الانتاجية … في ما نسميه ابداعاً . بهذه الحالة تم القضاء المحمولات المرجعية ثم نقل المعرفة والخبرة الاجتماعية للاشكال الى عالم لم يعد مالوفاً .. عالم يترك اثره المزيف ، فالاثار الجديدة تحيلنا الى محتوى ثقافي كذلك ، هي نتيجة من فعل الافراد (الفنانون) لكنها تمثل فكرة ثقافية ، فيكون التعبير منتجاً على نحو زائف بواسطة صانع اثر بديل ، ليس له خصائص مؤشرية فعلية .. وهنا تحدث عملية التدليل داخل الفن على السواء : بين الاثر في محمولاته وبين ما نسميه بالتشاكل بينه وبين الفكرة الثقافية عن الحافز ، يمكن تمييز فحسب على اساس بعض قوانين التطابق Simlitude .

 

التطابق والتشاكــل:

التطابق ليس تشاكلا مبهما . بل هو نظام تحويل هندسي محكوم بقوانين التناسب ، واختيار دقيق للملامح التي سيتم تصنيفاً لصيغ العلامة من درجة الصفر استناداً الى اربعة ثوابت هي أ-السلسة المادية المستعملة. ب-تعقد تمفصلها. ج-العلاقة الاعتباطية او المعللة بين شكل التعبير وشكل المحتوى. ودرجة نوع الجهاز الفيزياوي من اجل انتاج التعبير.

دعنا نتأمل الثابتتين الاخيرتين فقط، فالتعبير يمكن ان ينتج من جهة الجهد الفيزياوي الذي يمكن ان نعدد فيه: التمييز Recognition، والتعرف اشارياً Ostension، والربط Combination، والابتكار Invention. فالتمييز يستعمل على عرف ثقافي، حدثاً طبيعياً "او نتيجة آلية" بوصفه التعبير عن محتوى مفترض، يقوم به فن الرسم بانتقاله بالشيء من مرجعياته الى كيانه فالتعبير مثالاً في عرض صورة سيكارة يكون مثالاً لكل السكائر الموجودة في خبرتنا، استطيع عرض حفنة من التبغ بوصفها عينة للسكائر ولاحالة عليها. استطيع في الرسم ان اقلد ايماءة رجل يدخن سيكارة بوصفها "عينة تخيلية" تحلينا الى السيكارة او الى التدخين او الى الفقر او الرثاء او الموت او الى المفاتيح السياقية الاخرى Contextnal Clues. وفي الربط Combination نستطيع ان ننسخ انماطاً جاهزة من التعابير لكي تركبها في سلاسل كبرى كما يحدث في اللغة، وفي تلك الحالات (التمييز والتعريف والربط)  يمكن ان تنتخب التعبيرات الرمزية او تنتج استناداً الى نمط سابق التأسيس وتعالق مع محتوى معروف من قبل. اما الحالى الرابعة فهي الابتكار Invention( ) تحويلها او عرضها، في حين تهمل ملامح اخرى، لذلك فأن التعالق بين تعبير ومحتوى محكوم باعراف تقنية، وفوق ذلك لم تكن للمرء معرفة سابقة بالملامح المشخصة (لحدوة حصان) فلن يكون قادراً ابداً على ان يتصورها ارجاعياً من الاثر الى صانع الاثر.

ان الكلام عن قوانين التطابق وادوات العرض يعني ان ندرك ان على التعبير ان يشخص او يجسد ملامح ملائمة يحدثها الشكل الدال في تمفصلها، لكن التمفصلات في الاثار ليست مثل اللغة. اذ انها ليست مترابطة في تتابع زماني لكن في تصاحب مكاني، لذلك فأن التعالق في الرسم ليس مجرد تعالق وحدة مع وحدة اخرى فقط، بل توجد تمفصلات وملامح اخرى لهذا التعالق، تحيل او تشير او هي في ذاتها تكون الملمح الشكلي للتطابق.. لنفترض انني اريد ان اخلق اثر لكأس شراب على طاولة هناك اربعة ملامح تتصل بذلك: شكل دائري، وتحديد حجم الشكل، وملمح لوني، وصفته كونه رطباً، وبمألوفية الاثار السابقة من النمط يستطيع المرء ان يتبين من هذا الاثر الحضور السابق لكأس الشراب. ولو كان المرء يعرف قانون التحويل للانتقال من حجم الاثر الى الحجم المفترض لكأس الشراب فيمكن ان يكون الاكتشاف صحيحاً، وفي النهاية فأن ما  اكتشفه المرء ليس المرجع (كأس الشراب لهذا او ذاك) بل المحتوى "كأس شراب" فقط( ).

في الرسم يعطي التطابق نوعاً من الاثر، هو ليس الاثر ذاته، بل تحولاته واقتداءاً بيالمسليف فأن الشكل والعلامة في الفن ترتبط احالياً بالوظيفية أي بانتاج قانون التكافؤ بين تعبير ومحتواه.

في الرسم ليس مهماً اكتشاف المحتوى المرجعي وانما اكتشاف الكيفية الفنية التي تؤسس نمطاً من التعبير. وبعض الاشارات الجمالية التي تشعرنا باللذة. بهذا المعنى فالتعبير هو انشاء صنعة الرسم والمحتوى هو وجوده.

فكل عمل فني ومع (لانجر) ليس له عناصر وهمية واخرى فعلية ممزوجة فيه، فالمواد فعلية لكن عناصر الفن دائماً ما تكون ضمنية وهي عبارة عن عناصر تشكل حتى تؤدي. شكلاً تعبيرياً ولان هذا الشكل معد لاحد الحواس او للخيال، تصبح خصائصه الاخرى غير مهمة، وهكذا يقدم فرهريه او مبنى جميل نفسه لعين الناظر مباشرة باعتباره لوحة بصرية، نحن نرى هذا الشكل الغريزي او الشعري في تجريده، أي اننا نعي الشكل بدلاً من استخدامه بصورة شبه واعية كما لو كان اشارة لشيء او تطابقاً مع حقيقة ما، ان التجريد الفني تجربة ما… وهو يتم عن طريق خلق شيء مرئي، ليس له أي التزام عملي على الاطلاق، وهذه هي الوظيفة الاساسية للوهم، ومثل هذا الوهم ليس خداعاً او تمثيلاً بل هو العكس تماماً للتمثيل. نحن نحس اشكالاً موجودة مباشرة جاءت متجمدة واخذت شكل حياة، هنا فقط في الرسم( ). يمكن التكلم عن (شكل حي) وليس شكلاً في علم الحياة.

 

المصادر والهوامش

( ) ينظر: تودروف، الادب والدلالة، ترجمة محمد نديم خشنة، مركز الانماء الحضري، ط1، طلب 1996، ص13.

وللمقارنة فأننا يمكن مراجعة لوحة رقم (1) لكاندنسكي لنرى كيف يمكن لهذه البقع اللونية من اثارة اشياء مهمة، وقد اطلق النقاد على هذا الاتجاه التجريدية الغنائية. ان المثير البصري يمكن ان يرتب خارج سياق البصري المرجعي او الواقعي. مما يجعل خلق عالم اللوحة امراً واقعاً.

( ) هانز جيورج جادامر: تحرير روبرت برنا سكوني، ترجمة وشروح د. سعيد توفيق المجلس الاعلى للثقافة مسقط 1996، ص14.

( ) ينظر المصدر السابق، لقد تم ترحيل بعض الافكار واعادة انتاجها.. ص14-18. لما له صلة بالتوافق والتقابل بين الفنون.

( ) نفسه المصدر، ص15.

( ) استعير هنا عنوان كتاب رولان بارت درجة الصفر للكتابة محاولاً استثمار بعض ما ورد من افكار من اجل تثبيت المصطلح الاجرائي الذي يحمله البحث، وكذلك اود الاشارة الى خطأ الترجمة لا صحح "درجة الصفر" ليصبح (درجة صفر الرسم).. الذي ترتبط فيه درجة الصفر باحداث شرخ في سلسلة المدلولية التي بتحملها الدال حتى يمكن تحريره من الطمر الذي فوقه حتى يعي كل شيء بحيث يصبح ذاته ليس شيئاً بل صفراً.

( ) للمزيد ينظر بير بورديو: قواعد الفن ترجمة ابراهيم فتحي دار الفكر للدراسات والنشر القاهرة، 1998، ص807.

(  )ينظر: رولان بارت: درجة الصفر للكتابة، ترجمة محمد برادة، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1981 "مقدمة المترجم".

( ) ينظر: عبد الله الغذامي. الخطية والتكفير من البنيوية الى التشريحية قراءة نقدية. النادي الادبي الثقافي جدة، 1985، ص50 وقد تم استدعاء بعض الافكار الواردة فيه ومن ثم اعادة انتاجها حيث تكون الالسنية مفتاح قراءة النص وبيان تعدده وانفتاحاته على آفاق اخرى ومنها الفن.

( ) لعبت صحيفة الاب ديشين التي اصدرها جاك روني هيبر دوراً متميزاً بعد قيام الثورة الفرنسية 1789 وكانت تعبر عن اتجاهات المتطرفين المعادين للبرجوازية والمدافعة عن الفئات المسحوقة، يمكن اعتبارها مرآة للعناصر المختلفة التي تشكل المكونات الثقافية والايديولوجية لحركة اللاسرواليين ولغتهم العامية المجافية للغة البرجوازية. يمكن مراجعة بارت –درجة صفر الرسم، مصدر سبق ذكره، ص27.

( ) سوزان سونتاج –الكتابة بالذات بصدد بارت، ترجمة محمد سويرتي دار افريقيا الشرق- الدار البيضاء، 1987، ص36.

( ) ينظر، الغذامي، الخطيئة والتكفير –مصدر سبق ذكره- ص51.

( ) المصدر السابق، ص51.

(*) التمركز المنطقي مفهوم جاء به دريدا ،  يحاول نفي ما انتجه الحضارة الغربية من مفاهيم وايديولوجيات قارة ومتوارثة.

( ) اشارت لانجر الى ذلك في كتابها مشكلات الفن Suzanne K. langer. Problems of Art New York: Charles Serlbners Sone. 1957. P.p. 27-43.

( ) المصدر السابق، ص177.

( ) ينظر: المصدر نفسه ، ص179 .

( ) للمزيد: ينظر سوزان لانجر: الابداع، مصدر سبق ذكره، ص177.

( ) ينظر: امبركو ايكو، اسهام القيم في السيميوطيقا، ترجمة ستار زيادة، ترجمة خاصة بالبحث.

( ) ينظر: المصدر السابق.

( ) لانجر، الابداع. مصدر سبق ذكره، ص186.كاسير فلسفة الاشكال الرمزية. ويراجع للمزيد ترجمة كمال اسطفان، في مجلة العرب والفكر العالمي عدد 3 مركز الانماء القومي بيروت 1988، ص61.