التسلل الى الثقافات المواربة

 

المطـويــة

من ثقافة الاعلان الى ثقافة الاعلام

كتب الدكتور شفيق المهدي مقالا بعنوان "بردية المسرح" ونشر في جريدة الصباح الجديد "العدد 383" تناول فيه ثقافة المطوية او الدليل الذي يوزع قبل واثناء عرض المسرحية ... ولأهمية هذا الموضوع في حياتنا المعاصرة . رأيت ان اتناوله من زوايا اخرى تهتم بالتشكيل والدلالة معاً ..

 

طاولة على ظهر فيل !

جلست مرة في احد مطاعم بلاد الهند، كنت استعجل الطعام، وفي نفسي رغبة لاستثمار الزمن لاكتشاف هذا العالم الفني الكبير..

كانت الطاولة فارغة الامن قصاصة ورق "مطوية" بسيطة، رسم على غلافها صورة لفيل كبير وباسلوب معروض في تاريخ الرسم... فالفن الهندي يميل الى المنمنمات والزخرفة... وهذا ماتعلمناه في درسنا لتاريخ وحضارة الهند... لقد رسم الفيل بمظهر جانبي وعلى ظهره جلست فتاة بملابس فولكلورية وهي تحمل صحنا كبيرا مملوءا بالغذاء... وفي داخل المطوية كتب نص يقول: ان عائلة ساشا المشهورة في الطبخ والتي تحاول ارضاء ذوق السائح توصلت الى خلطة الطعام وهي الوجبة التي تحملها الفتاة في وجه المطوية وقد كانت الاكثر تقبلا من قبل السواح واذا ما رغبت في تناولها احجز لك طاولة على ظهر فيل في منطقة... كذا وسترافقك ذا ت الفتاة...

دفعني الفضول الى اختيار الوجبة ولكن بدون ركوب الفيل، نسيت استعجالي والزمن، واخذت اقلب المطوية... كانت تتحدث عن الطهي الهندي وعدد طهاة المطعم واسماؤهم وطرائق التقديم... الخ.

كان اهتمام بالغذاء ضعيفا نسبة الى طريقة العرض والشروح المصاحبة للعبة الاعلان التي كنت افهمها جيدا بحكم عملي... ولم اكن اكترث بالمضامين التي تحملها المطوية عن الغذاء... مايهمني هو الكيف الذي قدم الطعام وحضور المطوية الذي اثار كل هذا التفكير... ورقة بسيطة استدعتني الى زمانها ومكانها واثارت في داخلي كل الرغبات العميقة عن التشكيل الفني وقيمته وسلطته... وانا اهم بالخروج... كانت المطويات تاتي من كل صوب ومع كل طلب، ماء مع مطوية، ملعقة معها مطوية صغيرة... الخ... ستة كتب لهذا الصيد السمين المسمى سائحا... دليل سياحي، دليل للعملة والصيرفة، وآخر لسيارة التاكسي، وللطقس وللجغرافية والتاريخ...

 

الجماليات في قلب السلعة !

سياسة الجذب هذه، جزء من الصياغة الاعلانية التي تحاصرنا والتي تقترن باستمرار مع فكرة الصراع الاقتصادي في عصر التعدد والتداول السلعي والانتاجي والصناعي والفني، وكأننا امام ديمقراطية الحصول على الزبون والمستهلك بكل الوسائل... وقبل ذلك تعددت الطرائق الاعلانية... فقبل المطوية كانت المطاعم والفنادق وصالات السينما والمسرح والمعارض الفنية تستعم البوستر وسيلة للاعلان عن... فمنذ اكثر من قرن ونصف كانت البداية مع الرسام الفرنسي النطباعي "تولوز لوتريك" 1868-1901م والذي يعد رائدالاعلان المعاصر عندما رسم ملصقات جدارية اعلانية لدور العرض والملاهي الليلية وغيرها... وبرغم ان هذه الملصقات نقترب من حيث تكوينها واستعاراتها التشكيلية من اللوحة فان مايميزها هو ظهور الكتابة كعنصر مصاحب للرسم... فكان الاعلان يعتمد في اخراجه على سياق الذائقة التشكيلية السائدة... ولم يكن بالطبع ذلك الانتشار الواسع، لمحدودية القدرات الطباعية اولا ومن ثم الفتور الذي قوبل به نتيجة لتاريخ طويل من الثقافة الجمالية في تمجيد الاصيل لا المستنسخ... ومع الثورة الطباعية في القرن العشرين وانتشار الاعلام والاتصال وحضور السوق والاستهلاك بدأ نوع آخر من الصياغة الجمالية والشكلية.. لقد ظهرت المطبوعات التي نقلت الاعلان من الجدار الثابت الى الجيوب والحقائب المتحركة... وبدأت ثقافة المطويات "الدليل" تتسع في كل اتجاه كوسيلة من وسائل الارشاد... والاعلام ايضا..

ثقافة المعلومات تلاحقك.. "والدليل" المطبوع قبالتك فعندما تدخل اليوم اي فندق، فان عليك ان تكتشف منظومته الخاصة... الدليل او المطوية لها دور خطير في الارشاد والتوجيه... وهي وحدها التي تحدد الكيفيات السلوكية التي يجب عليك فهمها بل وحفظها..

كيف تفتح التلفزيون، وما ارقام الخدمة، وكيف تحصل على التاكسي... المطوية تعلمك كيف تتصرف حتى تنتمي الى القواعد المتحكمة بالانسان المعصر... وتدخلك في منظومته وسياقه الحياتي.. هي خارطة اذن لكنها في ذات الوقت مبنية على تشكيل جمالي خاص من حيث اسلوب العرض والعناصر والاستعارات.

 

بنيـة المطويـة

تنبني المطوية في شكلها على مجموعة تجاذبات... اولها الطباعة، والتكوين، والتصميم والاخراج... اما عناصرها فهي اولاً "الماركة" العلامة الخاصة بالامكنة او الاشخاص او المؤسسات وغيرها... "الماركة" سيدة المطوية المدللة التي توضع في الواجهة للتعيين والتمييز... ثم الصورة التي تعطي للمتلقي المصداقية النصية والنص الذي يقول ما يراد قوله... اي مركز الخطاب "الدليل" ان الطباعة الجيدة التي تنقل الواقع بتفاصيله مع بعض "رتوش" تحدد سعر المنام في الفنادق واحترام لوحة الفنان والجذب المؤثر لارتياد المسرح.. اما من ناحية التصميم، فالمصممون يتبارون في اخراج "الدليل" فبالرغم من ان المعرض الذي يقام متخصص بنوع من الانتاج سواء الفني منه او السلعي او الصناعي فإن اشكال تقديمه وعرضه تتخذ اساليب متعددة...

اولها طريقة التكسير "اي الشكل" او الطي... ان طيها اساس في تفعيل الخطاب ومضامينه... شكل المطوية يخنتلف من حالة الى اخرى، مطوية الاعراس لها اشكال الوردة والقلب والتشابك العاطفي، في حين تعلن الشركات عن مضامين الخطاب باشكال صناعية رصينة ، مثلها مثل الاعلان عن الخطاب الشخصي لفنان تشكيلي يحاول تهشيم المألوف في الشكل على انه دلالة متشاكلة مع تحطيم قيم الاشكال في لوحاته... بعض "المطويات" تعمد الى طيات معقدة تحتاج الى بعض التأمل الرياضي والهندسي لفتحها.

 

جماليـات المتاهـة

هكذا سادت ثقافة المتاهة المستعارة من الكلمات المتقاطعة للبحث في الاشكال بدلا من الكلمات... اضرب مثلا، فعندما تشتري قميصا، تحتاج لفتحه الى معادلة رياضية... دبابيس وعشرات من القصاصات والخيوط المتداخلة مع الازرار... انها شبكة معقدة تعترض رغبتك في الاكتشاف، فكلما زاد الغموض كانت المتعة... هكذا يقول علماء النفس... فك الرموز هي متعة النص، ومتى ما انتهت ظهرت لك الحقيقة الواقعية بأن القميص، قميص لا غير. ثقافة المطوية "الدليل" دخلت علينا بديلا جماليا عن عادات التأمل بالموضوع والبيئة والوجود والطبيعة تلك التي كانت تزخر بها اللوحة التشكيلية... اما اليوم فان اللوحة "السلعة" تقف قبالتك وجها لوجه في كل الاسواق... مع شرح واف لكيفيات الاستعمال التي تقوم بها المطويات...

خذ علبة من العطر، ستجد داخلها مطوية معطرة بذات العطر. ورق معطر يعلن للخارج ما في الداخل... هذا الامر يتكرر ولكن على نطاق واسع ففي داخل المجلات اعلانات عن مواد التجميل ترافقها مطوية تحمل المادة ذاتها بصبغتها وعطرها وشكلها... وينسحب الامر كذلك على علب الغذاء، بل وحتى الدواء...

نحن نعيش على المعلومة لتجيب المطوية عن تساؤل الانسان الدائم: ما معنى هذا؟ وماهذا؟... انها الاسئلة التي يعيش الفرد ويكافح ويقرأ من اجل الحصول على اجابة ما.

 

عالم المطويات

كانت الكتب هي التي تجيب... امام اليوم فقد اختصرت الى ورقة... تسمى "فولدر" مستعارة من الانگليزية "وبروشور" من الفرنسية و "دليل" من العربية، صارت حاجاتنا جميعا تزين بمطويات فالتبس الامر على المشاهد والمقتني والفنان والمصمم معا... هذا الكائن يقول ما لا تقوله كل الاعلانات والصحف واللوحات والصور، انه يعيش داخل البيوت والجيوب والحقائب والملابس... واخيرا داخل الحياة كلها، عالم من المطويات يحاصرنا ويرشدنا ويسهل علينا معرفة السلوكيات المسميات المعاصرة.


والسؤال : ما المطوية ؟

وما شكلها... وهل لها قيمة جمالية؟.. اقول ان المطوية لوحة تشكيلية... واعرف ان المعترضين على هذه التسمية لهم الحق على عدم مصادرة اسم اللوحة التشكيلية بكل مقارباتها الجمالية والتاريخية، لكني رغم ذلك سأسميها افتراضا بهذا الاسم لان عناصرها هي ذات العناصر التشكيلية ولها محمولات جمالية خاصة من التكوين والتوزيع والايقاع واللون...

 

سأبدأ بتحديد بعض الملامح الجمالية للمطوية :

1. الشكل : يحدد شكل المطوية ضمن نسق خاص، فهي مختصرة وتجريدية في الغالب لان القيمة الماليةلإنتاجها مهمة وان تعددها يعني ارتباطها بالكلفة والجدوى الاقتصادية...

ان المسافة الخاصة بالمطوية تقع على بعض الاعراف والنظم التي تميزها من غيرها... فأكثر الاشكال انتشارا هي التي تحتل مساحة ورقة عادية للكتابة "المادة A4" والتي تطوى ثلاث طيات قياس الطية الواحدة 9سم x 17سم... ان هذا النموذج اقل كلفة وله ميزات اضافية في سهولة حمله وعرضه، وبرغم ان هذا الشكل اصبح اساسا في المطويات وهوية لها فان اشكالا اخرا ظهرت وتنوعت نتيجة لتنوع المواضيع وتعددها...

الفنانون والمعارض التشكيلية الشخصية والعامة ميالة لاستعمال القياس على شكل مربع يقارب 23x23سم... لانه يلبي حاجة الاعمال الفنية التي تقارب في الغالب شكل المربع... اما الشركات والمعامل والمصانع فانها تعتمد على قياس "A4" مطويا او ما نسميه "حجم فايل" وله جيب بالداخل لحفظ الاوراق والمعلومات...

اما الخرائط والسياحة فلها برنامجها الشكلي الخاص اذ تطوى ورقة قياس 50x70سم الى مجموعة طيات ويكون وجهها بوسترا اما داخلها فيعتمد على النص، ويمكن بهذا ان يوضع داخل المجلات والصحف او بحتى الكتب السياحية "والهدف ثباتها على الجدران لانها تحمل وجهين معا: المطوية والاعلان الجداري.

2. نظرا لتغير نمط الاستهلاك الاعلامي تحددت ثقافة الشكل الخاص بالمطوية ، صغر حجمها وتعدد شكلها، مثلها مثل السلع الكهربائية وغيرها صار الحجم الصغير اهم مقوم لهذا النمط الاعلاني، وتنوع الشكل فمنها "المظروف" و "الوردة" او تصاغ على هيئة طبقات "الكورديون" او دفتر صغير مثقوب بطرق متعددة... هكذا نرى ان هذا النموذج من الاعلان ليس له ثوب واحد كالجريدة او المجلة لانه يلبي حاجات مختلفة تلبس اشكالا متعددة.

3. طرائق العرض – الاخراج : تنبني المطوية من عناصر محددة، النص والصورة والعنوان، يحدد النص نوع المعلومة التي يراد ايصالها ويكون ضاغطا في تحديد صياغة الاخراج، فالمحتوى يؤدي دورا في اختيار "الثيم" الوحدة المتكررة، ثم يبدأ المصمم تقدير حجم الصورة او النص اوالعناصر الاخرى حسب اهميتها داخل المطوية... ففي المطويات الخاصة بالمعارض التشكيلية يكون للصورة اهمية خاصة وكذلك المتعلقة بعروض الايجار او بيع الدور والشقق والفنادق في حين يكون للنص غلبته في علب الادوية او النصوص الشارحة المصاحبة للسلع في الاسواق... في حين يقوم النص والصورة بتفعيل الخطاب السياسي للمطوية الخاصة باتجاه كهذا.

 

المطويـة وثيقـة

المطويات وثائق ومراجع، هكذا نحتفظ بها لزمن طويل فهي الشاهد الاكثر تداولا عن حدث او فعل ما، كالمطويات الخاصة بالعروض المسرحية والتشكيلية والمطويات السياحية الخاصة بالمدن وجغرافية الامكنة... التي نختارها نزوعا الى الاحتفاظ بالذكريات، رجال الاعمال او الناس العاديون يحتفظون بها وثيقة وسجلا للعناوين والامكنة والمؤسسات التي يحتاجون اليها دوما.

ان طباعة المطوية باعداد كبيرة سهل على المقتني الحصول عليها بيسر، فصار تبادل المطويات بين المؤسسات والشركات والاشخاص جزءا من ثقافة الاتصال المعاصر، انها الفكرة التي تسبق الاتصال، وهي البداية التي نستغني عنها للاعلان عن انفسنا وحاجاتنا.

 

مطويـة العـراق

ان هذا الموج الهائل من المطويات الذي يتلاطم شرقا وغربا يتعدد في كل شيء، ولذلك اقترح على مصممي المطويات بالعراق وضع "ثيم" او وحدة ثابتة تحدد ان هذه المطوية عراقية... شيء صغير يتفق عليه... مثلما عملت ايطاليا او السوق الاوربية على وضع شعارها على كل منتجاتها..

يمكن وضع النحلة الآشورية، او الثور المجنح او اي رمز عراقي. فنكون امام خطاب بصري له هوية خاصة.