سيمياء المطبخ المقدس" - التمن والقيمة نموذجاً"

منذ ان تحول الانسان من "النيء الى المطبوخ“ - على حد تعبير شتراوس- بدأت طقوس المطبوخ محمولة على قواعد وانساق ذات وظائف متعددة تعيد باستمرار تنشيط التصورات الخاصة بالنظام الغذائي البايولوجي للانسان وتنظم في ذات الوقت ايقاعاً من نوع خاص في فن تقديم الطعام وكذلك تغذي الاحساس بالشعائر في الاحتفالات والمآتم والعزاء والضيافة والكرم والاستقبال، وتميزت الامم بمطبخها وعاداتها وطقوسها في الطهي والتقديم.

وهكذا حال المطبخ الاسلامي الذي يتكيء على معتقدات ورموز ودلالات خاصة تربط بين الغذاء والشعيرة الدينية مثل موائد الافطار في شهر رمضان والغذاء الخاص بالأموات والمآتم والمناسبات الدينية.

ومن أشهر ما قدمه المطبخ الاسلامي أكلة "التمن والقيمة" أو طبخة عاشوراء.. ولهذه الطبخة طقوس ومراسيم خاصة في الاداء والتقديم وطريقة الطبخ..

في هذه الأكلة تسقط الانساق الموضوعة والمألوفة في الطبخ، حيث تمتد فترة الطبخ أربعا وعشرين ساعة أما مكان الطبخ فهو الساحات العامة والحدائق والبيوت.

يشارك في هذه الشعيرة مئات الطباخين، وهي لا تقدم في مطعم، مطعمها ساحات المساجد والبيوت والقاعات العامة.. كما ليس لهذه الأكلة وجود في قوائم الأسعار، فهي توزع مجاناً، أما روادها فكل الناس ومن مختلف الفئات الفقيرة والغنية، الأطفال والمسنون، النساء والرجال….

والحال فان هذه الشعيرة المطبخية تعبر عن نوع من الأنماط السلوكية التي تفرضها القيم والتقاليد الاجتماعية، التي تلعب دوراً مهماً في جميع نشاطات الانسان الاجتماعية سواء كانت دينية أو وضعية – قانونية، هدفها ضبط تتابع بعض السلوكات أو الحركات أو الأقوال الموجهة لتحقيق غاية معينة ينبغي ان تكرر. والحقيقة ان للشعائر أهمية خاصة في المعتقد الديني لان معانيها وأهدافها ترتبط بالاجراءات الدينية مصحوبة بانجاز اجتماعي جمعي يمكن ارجاعه الى حاجات لا واعية تماماً، وتقلبات عن طريق عوامل لا شعورية ترتبط بما يجري في المحيط الخارجي وبخاصة تاثير الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيها، في محاولة لفهم وتفسير مراسم الطبخ الحسيني، التي رفعها البعض الى مستوى العقيدة من خلال دوافع ترتبط بعوامل عديدة منها الدفاع عن الذات وحمايتها وتوكيد هويتها وكذلك التطهير من الخطايا والذنوب والتعويض عن العجز والنكوص في حالات الضعف والمهانة واعادة بناء قيمها وفاعليتها وخصائصها التراثية.

لقد أصبح للطبخ علاقة حميمة بين العادي والمقدس، يهدف الى اعادة التوازن الداخلي للانسان الحائر والمضطرب والمشوش والمقهور، لتهدئة قلقه وشكوكه حين يقف أمام تساؤلاته المصيرية التي قد لا يجد لها جواباً شافياً. وبهذا تكون طبخة "التمن والقيمة" طريقة للدفاع وللخلاص من الواقع بطقس بديل يُعتقد ان بامكانه تعويض ما يراه وما يقع عليه.. فيكون الأكل والطبخ أداتين لتطهير النفس من تلك التهديدات الوجودية وهكذا، فان التمن والقيمة ممارسة طبخ احتفالية وممارسة جماعية تقوم على امتزاج نوعين من الطقوس الدينية والشعبية التي تصاحب احياء ذكرى استشهاد الامام الحسين بن علي (ع) في العاشر من محرم عام 61هـ-680م.

النوع الأول: هو ان مجموعة او فئة اجتماعية تتبنى عملية الطبخ في عدته والياته غايته الحصول على فعل "الثواب" الذي تسعى اليه الجماعة في مواقف دائمة من الأفعال، فالطبخ وخدمة الآخر هي من آليات السعي والممارسة التي توضح الفعل بأكمله محدداً باتجاهين من الارسالية:

المشاركة والنتائج… الايديولوجيا والغذاء.

المشاركة الجماعية عفوية وتتميز بحرية كبيرة في الاشتغال تصاحبها وتحركها المشاعر الدينية في حب أهل البيت فيتحرك المطبخ الى بعد رمزي ينتقل بالغذاء من قيمته الفيزيائية والبايولوجية الى قيمته كإشهار من نوع خاص ورسالة تتحدث عن مدلول بعينه وتتوزع الارسالية الى التقرب من أهل البيت في احياء الذكرى والى ايصال اعتقاد في خلود المناسبة، اما المحمول الآخر للرسالة فانه اشارة وجود حيث المجموعة نفسها أمام تهديد يظهر باستمرار كصيغة ايديولوجية سياسية مضادة تؤكد قلق وتشتت الطاقات وتحارب مظاهر التظاهر العقائدي.

النوع الثاني: مسرح الممارسة، وهو على الدوام يحمل دلالات بالتضمن تؤشر خارج المسرح، كالقيم الثقافية العامة التي تحملها بعض الموضوعات وضروب الخطاب أو اشكال السلوك. ويجوز لنا تقييم الأزياء المصاحبة والديكور والمكان

الذي يمارس فيه المطبخ بالنسبة لعناصر العرض سيميائياً وهو ما نصطلح عليه سيتوغرافيا العرض الذي يحتوي على تمثيل المقدمة والحدث والعقدة والثورة (في التعبير الارسطي) ويتمثل في الحامل الأساس للحبكة وهو ما يتصل بالمكان والزمان.. وللتعبير عن حقيقة الأمر من تصوير الحبكة نجد أن طبيعة المطبخ والاشخاص الفاعلين فيه هي اقرب الى "المونولوج" حيث يكون لكل شخص فاعل الحق في التعبير عن خواطره وخلجات نفسه بصوت مسموع من دون أن يوجه حديثه لشخص بعينه، تتعالى الصلوات وتبدأ الممارسة ملتهبة بين حرارة المطبخ وأصوات وأفعال الناس المشاركين.

المسرح هو مكان مفتوح توضع فيه عناصر الطبخ على وفق نسق خاص وبالترتيب. قدور سوداء كبيرة، (زبلان): وهي أوعية مصنوعة من سعف النخيل لتصفية الرز عن الماء، (جفجير): آلة للخلط، و(طخماخ): آلة مصنوعة من الخشب وظيفتها الهرس والخلط بين مكونات (القيمة)، أما العاملون والطباخون فيرتدون أزياء ويعتمّون بكوفية سوداء.

ان التجلي الحقيقي للظواهر على مسرح المطبخ يفقدها وظيفتها العملية لصالح دورها الدلالي والرمزي، وهذا ما يسمح لها بالمشاركة في التمثيل الدرامي، ففي الوقت الذي يكون معه للوظيفة النفعية لموضوع ما في الحياة اليومية، أهمية تفوق دلالاتها، فان للدلالة في هذا الجهاز الأهمية كلها.. فاللون الأسود يتصير مع وظيفته كزي، ويدل على حقيقة اخرى، ارتبطت بالحزن والألم بالنسبة الى حضورها داخل الثقافة الاسلامية، اضافة الى أنها دالة تمييز للمناسبة زمانياً، حين يرتدي الناس الأسود أيام عاشوراء.

وهكذا نكون أمام حزمة من الرسائل التي ينتجها مسرح المطبخ بواسطة تعدد قنوات وانساق اتصال (كلية) بين المسرح وعناصره من جهة، والمتلقي من جهة اخرى، المتلقي هو مشارك في المسرح منذ البداية، عندما تصبح (القيمة) هي الباث والناس متلقين، وعلى أساس هذا التفاهم المسبوق بمرجع تاريخي وسياقي يستطيع الطباخون المؤدون فعلياً على نحو جلي في الظاهرة، المشاركة مع المتلقين المتبرعين، ولا يجد الحضور أنفسهم -جميعاً- صعوبة في تعيين أي من العناصر ينتمي الى سياق العرض.

لقد صارت هذه الوقائع عادية تؤطر بأنساق تقع على تظاهرة من نوع خاص ومرتبطة باستعارات من العواطف والتقاليد التي تفجر الاحساس بالمناسبة خاصة يوم عاشوراء من محرم الحرام ويوم العشرين من شهر صفر وهي أربعينية الامام الحسين (ع). يمكن تصور الزمن الممتد طبيعياً أكثر من أربع وعشرين ساعة لانجاز أكلة أو طبخة معينة، والنتيجة ان زمن الأكل يفقد تحديداته، فربما توزع صباحاً او مساءً او قبل الفطور، حيث يسقط النظام المرتبط بالوجبات ويسقط معه فعل الغذاء لصالح المنظومة الدلالية والرمزية والتداولية.

التمن والقيمة منظومة اتصال، وتظاهرة، انها رسالة وليست فكرة او موضوعاً او مفهوماً بل صيغة وشكل، ولابد من ان نضع لهذا الشكل حدوداً، أوشروط استخدام.

الحرب الرمزية

ظهرت في السبعينيات من القرن العشرين وفي العراق تحديداً بوادر اعلان (التمن والقيمة) عن نفسها ممثلاً احتفالياً في تكوين صيرورة مضادة للايديولوجيا الجديدة التي تبنتها الدولة انذاك في امكانية مصادرة الحرية الاجتماعية والفعل الاجتماعي والديني والعقائدي عندما افتعلت هذه الايديولوجيا حرباً على قدسية المناسبات الدينية خوفاً من تحولها الى معطى يعيد ذاكرة الناس الى الثورة لقد صيرت هذه المناسبات الدينية سياقاً ونظاماً يسعى الى تفعيل مفهوم الاحتجاج وتحويل قدسية المناسبة الى معطى اجتماعي وديني وسياسي.

وعند هذا الحد، بدأت ايديولوجيا الدولة بمصادرة امكانية حرية التعبير بوسائل ووسائط متنوعة. خوفاً من أن يأكل المرموز له من جرف الهيكلية العامة للمعمار الذي تحاول الدولة انشاءه وهكذا بدأ الصراع بين (التمن والقيمة) مقابل خيال الحكومة في آليات قتلها.

لقد تسلحت الحكومة والدولة معاً ببنادق الكلاشنكوف وأزياء الخاكي وصناديق العتاد اللازم من الرصاص والرجال، يدعمها خطاب التستر والتعليمات الخاصة بالكيف الواجب انجازه لقتل (التمن والقيمة) وما وراءهما في قتل الرامز والمرموز.

وبالجانب الاخر حاولت (القيمة) استنفار عناصر قوتها وعدتها …

الحمص مقابل الرصاص، والنار مقابل البنادق والازياء مقابل الازياء – الاسود مقابل الخاكي كلعبة لتقابل الالوان وفي هذا الاطار.. نتساءل هل يمكن التقابل والحرب بين الغذاء والعسكرتارية؟

الجواب ببساطة… نعم.

المهم اننا لسنا نتحدث فقط عن الجدال بعبارات الحرب، فالحرب فيها منتصر ومهزوم، ولكن الجدال بحد ذاته يتحدد في ان المقابل غريم، يمكن مهاجمة مواقفه، وفي الوقت ذاته ندافع عن مواقفنا.. نربح أو نخسر المواقع ونضع ستراتيجيات ونشغلها، واذا وجدنا انفسنا في موقع ضعيف قد نتركه ونختار خطاً دفاعياً جديداً واذا كنا لا نجد معركة مادية حقيقية فاننا نجد معركة كلامية (خطاب) وبنية جدال الهجوم، الدفاع، الهجوم المضاد..الخ. بهذا المعنى تكون استعارة الجدل حرباً من بين الخيارات الموجودة في ثقافتنا التي تبنين الانشطة عندما نتجادل بأية طريقة كانت.

عندما استنفرت الدولة عدتها، قابلتها (القيمة) يستتر ناراً بنار..الرجال بأزياء أهل القيمة ليندسوا في الجموع، متربصين بالمتحمسين لهذه الشعيرة الدينية، يسجلون الأسماء ويلتقطون الصور، توثيقاً للثورة القادمة من التمن والقيمة!

تتراجع (القيمة) وتدخل البيوت، تنتقل من الخارج (الاعلان) الى الداخل (الممارسة السرية).. تنتقل الوجبة الغذائية بين البيوت في الصباح والمساء وفي الظلام معلنة الاشهار عن وجودها على افواه الاطفال والمجانين والمعوزين والمستجيرين (بأهل البيت) من القحط والعوز وخواء النفس والمال.

وهكذا يتطور الصراع وتجتهد الحكومة في تجفيف منابع التمويل (للتمن والقيمة) فتقرر منع استيراد الحمص.. لانه شيء أساس وخطير يقابل في مدلولاته الرصاص والذخيرة..لكن (القيمة) تحاول ان تجد مصادر للتهريب، وتنشا عدة التهريب لديمومة المطبخ.

وينشا قانون جديد محمولاً على:

الغذاء الرامز + المرموز × الرمز الجديد + الجوع

وسنجد أنفسنا أمام تراجيديا تقررت سلفاً حيث صيغت تحت منظومة سياسية واطلاقية جديدة.. دولة تصارع مطعماً! ؟ وتقرر هذه الدولة نقل الصراع الى مجاله الاجتماعي كما تتصور ولكن بطريقة اخرى.

تفتح الدولة بكل امكاناتها الاقتصادية وجهازها الاعلامي "مطعماً آخر" للتمن والقيمة، وتستعير أمهر الطباخين له، يترافق ذلك كله مع حملة اعلامية وشعبية واسعة في التلفزيون والاذاعة ترويجاً "لمطبخ الحكومة الجديد".

لكن المطعم الحكومي يمنى بهزيمة كبيرة، فلا يدخله أحد، ولم يأكل منه العامة من الناس. لان التمن والقيمة تحولت الى غذاء، الأمر الذي افقدها وضعها الرمزي.

لنر اذن كيف استطاعت القيمة الدفاع عن نفسها فمن بين جموع الناس مثلا تنتشر "اشاعة " ان مطعم الدولة يقدم سموماً مع الطعام.. كلمة اشاعة تقع في مدلولها على وضع قائم على عدم الثقة بين المتحاربين، وساد قانون الحرب الذي يشير الى انك عدوي فكيف تطعمني!؟

لقد سقط المطبخ المضاد وقرر اغلاق أبوابه، وطرد عماله.

فللأكل (عبق) خاص ورائحة تشترك فيها العناصر كاملة كالعلاقات الاجتماعية، والاقتصادية للاعلان عن ذاتها بنية معان تشمل العلاقات الرمزية فيها مدى واسعاً  لكي تتحول في ما بعد من نظام الطبخ الى نمط من "العنف الرمزي"، لا يلاحظه احد بوصفه عنفاً، فهو عنف رقيق غير مرئي، عنف الثقة واضفاء القيمة والالتزام والولاء، وهو عنف يستبعد الذين لا يملكون الذوق والتذوق السليم للأكلة ويفرض عليهم العار أو الصمت مصطلح (العبق) مهم في تفسير العزوف عن مطبخ الدولة، فالغذاء ليس قيمة بايولوجية فقط، بل قيمة روحية ونفسية ورمزية لها رائحة خاصة.

لقد انتهى الصراع بسقوط الدولة ومطعمها وعدتها وايديولوجيتها وعادت القيمة حيث ولدت غذاء بلا عداوة وقسر ونزعت عنها ثوب الحرب الى ثوب "الثواب" وانبعث المرموز من جديد.