طقوس المصافحة

 

يمكننا القول ان المصافحة هي الكلمة الاكثر استخداماً في الاحاديث المتعلقة بما هو ودي بين الناس، تفتح باستمرار مجالاً رحباً للالتقاء…

يتصافح الناس في الشوارع والمؤتمرات والاسواق والبيوت طقوسيات السلام تتكلم وهي غنية لدرجة يصعب حصرها نظراً لاهمية دلالاتها قيمياً، المصافحة ليست مجرد حركات يدوية بقدر ما ترتبط بالصفح والفصاحة والفصح بقاموسنا اليومي، وهي كلها كلمات تتجاوب مع معنى عميق روحي الطابع وبمثابة توكيد لامان مرغوب فيه واطمئنان مرتجى، تمتد ايدينا في المصافحة لتشكل وسيطاً لتمرير مؤثر ، نحن نتكلم بايدينا من خلال اشارات ورموز حسب طبيعة المصافحة..

مصافحة عنيفة او رقيقة، حارة او باردة أي مناخية الطابع ، او لمسية او ناعمة ، اما الاخلاقية بعضها صادق والاخر كاذب.. هناك مصافحات تتعلق بالشم رائحتها طيبة نباتية او نتنة وحيوانية.

وهكذا حالما تمتد الايديس تتقابل العيون ، تصنف مثل هذه المصافحة بانها بصرية.. وعليه فالمصافحة لعبة حواس في حركة ايدي.. ونمط من انماط التواصل في العلاقات الانسانية، كثير الاستعمالل ، على انه العالم اللمسي الذي يميز هذا النوع المسمى (بشر).

من خلال المصافحة تتحدد اشكال العلاقات الاجتماعية وتصنف قيمياً. في الخصومات نشعر ان المصافحة تحرقنا .. وتسبب لنا حرجاً ومعها تتولد تميزات جنسية . فاذا بلمسة يد تحدث الارتباط في نظام معقد من الاحساسات الغرامية والحسية.

انها امثلة كثيرة لفهم السنن المركبة والمعقدة من الانصال الذي هو لغة سيميولوجية تشترك فيها حواسنا لتخلق سنناً اكبر من التواصل اللغوي.

في بعض الايديولوجيات تمنع المصافحة، فتجدنا امام محرمات ابدية ترتبط بمفاهيم وتقنيات الاستعاضة عن اللمس بالبصر فيقال تقابلت العيون (أي تصافحت) . وعندها تتحول الوسائل من مدونة لمسية أي اثر وجداني يعتمد على تقنيات البونية بين الناس . فالمسافات شيء اساس .. تلمح او تضمنه ، يقترح او في ذلك ما يكتب في المتحف.. لا تلمس.. رجاءً.

يمكن عد المصافحة على انها موضوع نصفه اشكال ونصفه الاخر جواهر، تقول حالا نستطيع قوله او العكس .. قد تختفي المصافحة في لحظات، لتحل محلها ترسباتها من او جزء من ضوضاء كما في لقاء الجموع في الاحزان والافراح.

بعض المصافحات سينمائية وسياسية وهي اقتصادية لكن من اهم المصافحات تلك التي تكون عنوان للمصالحة، فقد تؤدي لمسة يد الى حفظ حياة البشر.

او تكون سلوك اندماج او رفض او شر سحري ملعون يرفع شعار الحرب…احياناً وبعد الخصومات والمناقشات والحروب تمتد الايدي للمصافحة  / المصالحة.. فالايدي تقول غير ما قيل وما حدث ، فاما انها تسدل الستار على الماضي او تفتح المجال امام مصادمات قادمة.. او ان تكون دلالة مواثيق وعهدو بين كفين، بل بين قارتين او شعبين او دولتين.. لمسة واحدة تكفي للضحك على عقول الاذكياء والاغبياء معاً.

ان اكثر المصافحات كوميديا هي مصافحة الملوك والرؤساء للناس، انها اشكالية قيام هؤلاء يدور البشر وقد ينتج عن مثل هذه المصافحات حالات مضحكة ، وحالة تسلية ، حيث نتسلى بالمتناقضات ، ان للملوك والرؤساء جوهر فوق بشري، وحينما يستعيرون ، بشكل مؤقت بعض اشكال الحياة ، فذلك لا يتعدى مجرد التجسيد المخالف للطبيعة ولا يكون ممكناً الا بالتنازل فقط. واظهار الملوك والرؤساء والقادة يمارسون مثل هذه التفاهات فهو اعتراف بان هذه المكانة ليست مكانتهم الطبيعية مثلما ان الصفة الملائكية ليست من خصائص البشر.

واخيراً ، هل يمكن تصور متابعة برنامج تلفزيوني للمصافحة استمر خمس وثلاثين سنة، يؤثر في حياتنا عندما تتوقف استمراريتها او عدمه على مصافحة سياسي لاخر، ورئيس لرعية ورئيس لاخر، خوفاً من انفلات واحدة منها لنموت بالمجان ! وهكذا كان!