الفـن والعولمـة


اضاءة مفهومية
لا يريد البحث تعميم او استعمال مفهوم جديد للصورة في الرسم و انما يحاول استنطاق المغيب في الحاضر, مع تجنب التاريخي الذي يحيط بعوامل النشأة ومراحل التغيير, فقد تمت دراسة كل ذلك ولابد من تركه منهجيا لان اعادة ماقيل لايسمح بمرور الجديد الذي يؤدي الى دراسة سياق آخر يعمل على تمظهر هوية جديدة للفن وللرسم خاصة. بهذا المعنى يحاول البحث استقصاء الانفجار الذي حدث في بنية الرسم, وتأثر به ثالوث الفنان واللوحة والمتلقي، هذا اذا تم الاقرار بأن مناخا جديدا بدأ يسود في فضاء الفن، نتيجة للتداخل المعرفي الكبير والتقابلات الحاصلة بين تكنولوجيا المعلومات ونظم الاستهلاك والمفاهيم الجديدة لوجود الصورة في حياتنا المعاصرة.


الطور النظري الاول : (اشكالية الصورة)

1- ماهي الصورة؟

الصورة هي أقدم عملية تعامل بها الفكر منذ فجر التاريخ, وتعد صلة الوصل بين الفكر والمحيط.فلولاها لما استطعنا تعيين الجسد وتبايناته, وما الحواس وخاصة البصر الا وسيط لهذه الصلة, ناقلة الجسد في صورة, ويعاد ترميزها الى جسد/اجساد في عملية تحويل مستمر ميزت التفكير بالصورة عن التفكير بالمجرد, وكلا النمطين من التفكير يرفد الثقافة ويصنعها و(عبر كل الصروح تبقى حضارة الصورة هي ام الثقافات جميعا). فالصورة في المآل الاخير ليست سوى الواقع وتشويهها وتخطيها لايعني سوى الغاء الوجود ( ) الصورة ايقونة تم تبنيها عبر عصور وايدلوجيات وفترات تاريخية بينما رفضتها ايدلوجيات اخرى معبرة عن جدل مستمر حول الصورة /الايقونة ثم الصورة /الرقم ابتداء من معادلة الصورة/للاصل او الغاء الصورة/للاصل فخيانة الصورة/للاصل.

(وحسب تعبير روبير فالصورة اعادة انتاج طبق الاصل اوتمثل مشابه لكائن او لشيء) ويشير هذا المصطلح -حسب اشتقاق قديم- في نفس الوقت الى وظيفة التمثل ومقولة التشابه، والواقع ان الفعل اللاتينيIMITAR يعني اعادة الانتاج بالتقليد..2 يمكن للصورة ان تكون معطى حسيا للعضو البصري حسب(FULCHIGNONI) أي ادراكا مباشرا للعالم الخارجي في مظهره المضيء, او تمثيلا ذاتيا بهذا العالم الخارجي بمنأى عن كون حسي.لقد كتبت(THIBAULT-LAUBAN) متخصص في نظرية التواصل-اثناء دراسته لغة الصورة مايأتي: الصورة هي اولا تكرار وقلب, لقد ارتبطت الصورة على الدوام وعبر القرون بالحضارة. وعلى العموم يدين تصور الانسان الحديث عن( وادي الرافدين واليونان القديمة والعصر الوسيط) الى البصر أي الى الصورة عوض القراءة.

غالبا ما ننسى الدور الذي لعبته الصورة عبر القرون. لقد كانت الصورة الشعبية تعبيرا عن ثقافة شعبية, كما عد التخيل في الفلسفة الكلاسيكية -خطأ وزيفا- يضاف الى ذلك ان الصورة والتخيل ليسا وحدهما اللذين تعرضا للنقد بل كل ما يخرج عن نطاق العقل. ان خوف وحذر الكتاب الاخلاقيين تجاه الاشكال الحديثة وللصورة ايضا ما هو الاصدى للخوف السلطوي مما هو مجهول اوصعب التحديد3


2- الصور الثابتة :

تحتل الصورة المسماة ثابتة مجالا اقل تحديدا من الصورة المتحركة, برغم قدمها, والتسمية المعطاة لها مستمدة اساسا من التعارض مع نظيرتها المتحركة.. هذا يعني الشيء الكثير ان الثبوت لا يصبح سمة مميزة الا اذا كانت هناك في المقابل حركة, وهكذا فالصورة عبرت قرونا(نحو الثلاثين) دون ان تدرك باعتبارها مجموعة موحدة و متسلسلة حتى ظهور السينما.

يمكن تحديد الصورة الثابتة بكل ما يتعلق (باللوحة) خاصة، وبشكل اعم كل ما يتعلق بالصورة التي تستمد مشروعيتها من الثقافة. الصورة الثابتة هي الصورة الفوتوغرافية والاعلان (البوستر) والرسم الصحفي او النحت الخشبي, واذا قبلنابهذا التبسيط التصنيفي, فنكون امام حزمة من التداخلات والانظمة بحاجة الى الفحص.

في داخل هذه الشبكة تحتاج الصورة الثابتة الى جدار ثابت للعرض، وكذلك متفرج وقانون خاص بالفرجة, ثم حفل بالصانع او المبدع. وهكذا بيع وشراء واقتناء وفي كثير من الاحوال الى امكنة ثابتة(متاحف) وتقنيات مناخية خاصة للمحافظة عليها.

توضح تلك القائمة التاريخية ان المتاحف والمعارض والمؤسسات الفنية ما هي الا اساليب معمرة في نفوس الناس للاعلان عن الافكار والايدلوجيات. وما هي الا نموذج يتم استخدامه لصناعة الوعي الجمعي اصبحت الصورة على هذا الشكل ماكنة كبيرة لتحريك الجماعات وتشكيل رأي عام حول معطيات نظام سيميائي يؤشر حب التملك وقانون الحيازة والحساسية العالمية لتأكيد الذات وحضور المالك في طقوس التمليك.

في نفس هذا السياق يفترض ان يكون المملوك متفردا, غير قابل للتعدد..

لقد سمحت هذه العملية لفنون الرسم, ان تطرح نفسها على انهاصناعة يدوية..متفردة.. انسانية غير قابلة للنسخ او التقليد، اذ يظل الاصل محتفظا وعلى المدى الطويل بمستويين مختلفين: هما القيمة الطقوسية لليدوي, وقابليته للعرض وهاتان الخاصيتان تحددان معنى حضور الذات الفاعلة (الفنان) الذي يشكل مع متلقيه حضور عصر بأكمله. وازاء ذلك تتفرع منها ثنائية الخاص والعام وكلاهما يدخلان في نظام اجتماعي تم التعاقد عليه منذ زمن بعيد.


3- الصورة المتحركة :

كلما مالت القيمة الشعائرية للصورة نحو العلمانية اصبحت الافكار المتعلقة بفرديتها الجوهرية اكثر غموضا ,وتحل فردية المبدع في العمل الفني وانجازه الابداعي اكثر فاكثر في خيال المتلقي محل محدودية الظواهر المتعلقة بالصورة الشعائرية, لقد جاء اكتشاف السينما وما صاحبها من الشروط المرتبطة بالتوزيع الجماهيري، ليفرض تعميم الخاص. فمن يقتني لوحة لايقدر على اقتناء فلم سينمائي, فالفلم يجب ان يعرض على ملايين الناس لكي يغطي تكاليفه1.

ان الانتقال من نمط الاستقبال الاول الى النمط الثاني يميز تطور تاريخ الفن بصفة عامة. وبصرف النظر عن ذلك يبدو ان ثمة ذبذبة تحدث بين هذين النمطين بالنسبة الى كل عمل فني على حدة. ان دعاة الديمومة يمسكون بالثابت. وهاهو دافينشي يقارن الرسم بالموسيقى على النحو الآتي: (الرسم ارقى شأنا من الموسيقى، لأنه خلاف الموسيقى التعسة لايحتم عليه ان يموت لحظة ولادته ان الموسيقى تتلاشى حالما تعزف بينما يخلد الرسم بطلائه)2 لقد تغير الحال طبعا، فما أشار اليه دافنشي في خلود الرسم قد اهتز واقترب الى الموسيقى.. يمكن لالاف الصور ان تظهر وتختفي في دقائق. لقد تحول الطلاء الذي اشار اليه الى ضوء، وها نحن امام صور متحركة.. يمكن ان تحث على حضور الغائب.. المتأمل.. والفوقي.. الذي تغيب فيه الذات العارفة والاعتراف بواقع انساني جديد يزيح بكل مفرداته ومجاوراته الذائقة الجمالية التي تم التنظير لها من قبل فلاسفة الجمال ونقاد الفن عبر تاريخ الرسم باكمله, فاللوحة التي كانت وراء العدد الكبير من الدراسات ليست في الحقيقة سوى(صورة) ضمن شبكة معقدة من المعطيات الاجتماعية الجديدة..


4- اليدوي والصناعي

لقد كان لليدوي في الاعمال الفنية وجوده في الزمان والمكان، المكان المتفرد الذي حدث فيه, هذا الوجود يحدد تاريخه,وقد يضم التغييرات التي صادفته من واقع الظروف التاريخية عبرالزمن, بالاضافة الى تغيير ملكيته..

هكذا كان اليدوي يعني التاريخ والذات الفاعلة التي تطرح انتاجها للناس او الاسواق بحيث اصبح مجموع لوحات الفنان يساوي حياته ووجوده. وللحصول على المنتج اليدوي يعني في ما يعنيه انك تمتلك جزءً من التاريخ الثقافي للانسان.

لقد انعكس ذلك على الحرف أيضا, فالكرسي الذي يصنعه نجار يدويا له قيمة السجاد اليدوي والخزف اليدوي.. قيمة خاصة غير معممة, لقد تغيرت طرائق الادراك البشري عند دخول الآلة, وصار اليدوي جزء من التاريخ غير الفعال,وسمحت التقنية لمحاولات التنبؤ بموقف عرفه بول فاليري عند ما قال:لقد وصلت تقنيات الاستنساخ الالي مع حلول القرن العشرين الى مستوى تغيير اساليب الاعمال اليدوية تغييرا جذريا.. فكما يأتي الماء والغاز والكهرباء من بعيد الى منازلنا لاشباع حاجاتنا ببذل جهد زهيد, سنجد انفسنا نلتهم صورا بصرية وسمعية تظهر وتختفي من حركة بسيطة اومجرد اشارة..1


 

الطور النظري الثاني

1 –التحول الثقافي

ربما نتساءل عما اذا كان التقابل الذي نطرحه بين فن الماضي الذي ذكرناه وفن الحاضر هو مجرد تقابل شكلي مؤكدين اننا امام الثقافة نفسها والقيم ذاتها والمعاني عينها, مع اختلاف لايعدو ادوات النقل ووسائل الانتاج والاستهلاك؟

الا اننا ينبغي ان نلاحظ بداية انه حتى كان الامر لا يتجاوز ذلك ولا يعنى الا بالكيفيات وادوات النقل فان له وقعا على المضامين ذاتها وعلى قيم الثقافة ومعانيها. ذلك ان حامل المعاني وشكل الثقافة لابد ان يؤثر في مضمونها, هذا ان لم يكونا هما ذاتهما مضمونين. ان الحامل المادي ليس مسألة شكلية ولا أمرا عرضيا. يرى الجاحظ ان النص لايلقى الاستجابة نفسها اذا كان مكتوبا على قطعة جلد او على الورق..(2)

ان يرتدي المعنى ألوانا (وخطوطا على لوحة من قماش يحمل اسما بعينه, ليس هو ان يظهر صورة على شاشة, الاختلاف ليس هو الاختلاف بين الالوان والموجات الضوئية انه اختلاف بين ثقافتين, بل بين رؤيتين للعالم او على الاصح بين عالمين متباينين.

ان الطفرة التقنية تجعلنا اليوم نواجه عالما تعجز مفاهيمنا التقليدية عن استيعابه, لعل اهم مميزاته التضاؤل الذي اخذت تعرفه أهمية المكان ليغدو الزمان هو كل شيء, وليحل الوجود الآني في الامكنة المتعددة محل الابعاد المكانية.

الحق ان الرسم لم يقف متفرجا على النقلات الكبرى اذ نشأت وسائط جديدة ومحاولات للخروج من الامكنة الثابتة.. والالوان والخطوط الى فضاء اخرجاء مع فترة الحداثة وما بعد الحداثة..


2 – فن ما بعد الحداثة

لقد نشأ مناخ جديد للفن. ففي الستينات ومع ظهور(فن البوب)POP كان الموضوع المسيطر يتجسد في انه يتعين ان يستيقظ الفنانون على الحياة التي يعيشونها بالذات (وان تتجاوز الحدود وتردم الهوة) كما يقول (فيلدر) وقد عنى هذا في ما عنى تهديم الحواجز القائمة بين الفن والفعاليات الانسانية الاخرى مثل الضيافة التجارية, التكنولوجيا الصناعية، والازياء والتصميم, وكانت هذه الرؤية تشجع الرسامين على تحطيم حدود اختصاصهم وعلى العمل معا.. مؤلفين وموسيقيين ومخرجين لانتاج عروض مختلطة تتعدى اللوحات المرسومة والمعلقة التي شعر الناس معها بالملل, والتي لم تعد تعني الحاجات المتزايدة للترفيه والتقبل, وتم السعي الى فنون اغنى واكثر تعددا للوجود.. لقد فعّل(كلاين)هذه الفكرة في الابتعاد عن الصورة الثابتة, لقد انجز احتفالية تقوم بها فتيات ملطخات بصبغة زرقاء يلقين بانفسهن على قماشة مفروشة امام الناس بينما كان عشرون عازفا يعزفون لحنا رتيبا وضعه كلاين بنفسه: لحناً منفرداً متواصلاً لعشر دقائق تعقبه فترة صمت لعشرة دقائق اخرى وهكذا..وفي مناسبة اخرى اراد كلاين ان يحول انتاجه الفني فاقام في باريس عام1958 معرضا للفراغ: صالة عرض مطلية بالابيض خالية كليا من الاثاث وقد انتصب عند مدخلها احد الحراس,لقد حضر(البير كامو)هذا المعرض وقد كتب في دفتر الزوار هذه الكلمات: (في الفراغ قوى كامنة). لقد احتشد الاف الزوار لمشاهدة افتتاح هذا المعرض وكان الامر اشبه بمظاهرة صاخبة. كان من افكار كلاين عرضه لافكار حسية صورية لكنها لامادية للبيع! وقد اشتراها احدهم بورقة ذهبية مالبث الفنان ان القى بها الى نهر السين وقام الذي اشتراها باحراق وصل الشراء1. بالنسبة لفرسان هذا النوع من الفن الذين كانوا يطلقون على انفسهم اسم (فرسان ما بعد الحداثة) التي تقوم على حداثة الشكل الخالص وحداثة التمرد كلتاهما اضيق مما ينبغي مبالغين في التاكيد على صحة النظام، فهم يركزون على الانفتاح ازاء التنوع الهائل والغني للاشياء والمواد والافكار التي يوفرها العالم الحديث..والخروج عن المادة الثابتة التي وفرتها المعرفة والتجريب التاريخي. لقد بات العديد من الفنانين غارقين في عالم النزعة البنيوية وعالم يلغي ببساطة مسالة الذات، جنبا الى جنب مع المسائل المتعلقة بالتاريخ، من الخارطة.

لقد تبنى اخرون صوفية قائمة على مابعد فكرة تحاول زرع الجهل بالتاريخ والثقافة معا وتتحدث كما لو ان جميع المشاعر الانسانية واشكال التعبير والجنس ما كانت الا من اختراع الفن الحديث الذي يرزح تحت السلطة التي تحدد دورانه وتحرك عجلته.. من دون النظر الى تاريخه ونسقه و انتاجه.فكلمة حرية مثلا تسجل اليوم ما يشبه المدينة الفاضلة للعالم المرئي في اقامة القرن الحادي والعشرين الذي يزخر بنظرية الحركة والتدفق.. وهي بحد ذاتها سلطة غيرت مفهومنا وسلوكنا وانتاجنا.


3 – تقنيات السلطة

لعل الكاتب الوحيد الذي كان لديه شيء ذو معنى يقوله عن هذا الوضع هو (ميشيل فوكوMICHEL FOUCALT. وليس ماعنده سوى سلسلة لانهائية من التنويعات حول الحرية والسلطة.. بالاكتشاف الحقيقي عندما يحل محل الشيء الملغز نفسه اخر تكنولوجي, خاصة في تكنولوجيا الاعلام(المرئي) (الصورة).. يمكن ان يتحدث الشيء الصامت الان مرة واحدة لتتحول الرؤية الى حديث جديد تماما مع نتائج مشهودة على الانظمة السابقة, انه تحول يمكن قراءة ابعاده من خلال غموض كلمة (صورة) التي لا تبدو مناسبة لافعال الرؤية التي يحتفي بها كا من سارتر وفوكو لكنها تفرض نفسها فجأة في كل مكان1 ان فكرة فوكو تجاه المعرفة والفهم تغطي مجال الصورة في تحديدات ترفض النزعة الامتثالية وكل انغلاق داخل جدران الفكر الجامد والمقلوب والمبرمج.. حيث ينتج لنا اختراق القيم المسيطرة وجعل الاشياء البديهية تبدو اشكالا غير اكيدة,.. ومن ثم نبذ التاريخ المتخذ كوسيلة لعقلنة الواقع.1لقد اتخذ فوكو فلسفة التركيز على الحاضر.وان هذه الفلسفة تستمد جوهرها من التساؤلات المرتكزة على عالمنا المعاصر وذلك من اجل تشكيل انطولوجيا الاحداث الجارية والراهنة، والتساؤل المستمر حول بديهياتنا وقناعاتنا التي لاتمس. ان عبارة بودلير التي تقول: (اني اكره الحركة التي تزحزح الخطوط عن مكانها) تنطبق تماما على ميشيل فوكو بشرط ان نعكسها فتصبح كالاتي:(اني احب الحركة التي تزحزح الخطوط عن مكانها).هذا الديالكتيك بين الماضي الحاضر2 يشكل بؤرة النظر الى شقين:اولهما يؤكد حضور النسق التاريخي للاشياء وثانيهما يحاول قراءة الظواهر من زاوية اخرى خارج اطار التاريخية عندما يصرح نيتشه: (لم يعد التاريخ الاعبارة عن تظاهرة عصابية مرضية) ويضيف (انه المذاق المهووس للاشياء العتيقة يحاصر الانسان برائحة العفن) وعلى ضوء ما تقدم هل يمكن التساؤل عن ان للرسم دولة تاريخية لايمكن ان تسقط.. حتى ولو اعلن عن وفاتها؟ وهل واقع اللوحة الفنية اصبح نوعا من الهلوسة والوهم؟ فاذا تم الاقرار بذلك فان شرعية التبديل تكون قائمة ليست رغبة وحسب وانما حاجة تفرضها سلطة من نوع جديد لقد اشار (جي ديبور) الى ان الصورة هي الشكل النهائي لتمادي السلعة وفي نفس الوقت تبدأ في تكوين اصل تكنولوجي3 عند هذه النقطة تبدأ مرحلة جديدة يحاول الرسم فسح المجال امام ثقافة اكثر حرية تدخل معها التكنولوجيا المتقدمة الى عرينه المتفرد(باليدوي) وتحدث فيه انكساراً تاريخيا لصالح الصناعي والالي والكمبيوتر وفضاء الشبكات الاثيرية، اذ يرحب اليوم بالرؤية العالمية للفن وشكل الصورة الجديد التي كانت لاتسمح بمرور أي تعديل(يوتيبي) من قبل بل كانت تشاهد في حد ذاتها. تلك هي الحقيقة لمجتمع الصورة الذي يتعرض فيه الرعايا البشريون (طبقا لبول ديليس) الى وابل من الصور يصل الى الاف الصور كل يوم (وفي نفس الوقت فهي تستعرض حياتهم وتدقق فيها وتقاس بنوك المعلومات بعد ان كانت في ما سبق خاصة بهم) فيبدأون في عيش علاقة مختلفة تماما بالمكان والزمان والتجربة الوجودية والاستهلاك الثقافي1. بمعنى ان زمن الخصوصية قد تشظى الى ازمان وامكنة. وانساق عالمية وكونية. وهي تؤثر حتما في الموقف الجديد من الفن الذي اتسع مداه حتى اصبح يشترك في الحدود مع مجتمع السوق بشكل لم تعد فيه حدود اللوحة التقليدية تستطيع المحافظة على اطارها الزماني والمكاني. انها تستهلك خلال الحياة اليومية في التسوق والانشطة المهنية واشكال الشراء على قضاء الفراغ ايام السياحة، على انها سلعة وليست خدمة ثقافية، حق لمن يملكها وليست واجبا عليه تجاه فنان ما. والحقيقة ان هذه الثورة اصابت المركز الفني بالتقلص في معدل الذكاء الطبيعي نظرا لكثرة الاعتماد على الالات والشاشات, فكل سؤال لدى الانسان لديه اجابة على الشاشة. ثورة المعلومات وفرت اكبر قدر من الاتصال واكبر قدر من العزلة عن التاريخ وعن الاخر. فالانسان امام الشاشة وظهره وجنبه للانسان الاخر, فتغيب العلاقات وجها لوجه ويتحول الكلام الى صمت واللغة الى اشارة والتخاطب الى شفرة2. لم يعد الرسم والحالة هذه يتحدث عن الامكنة او يصور الازمنة او يعيد القصص التاريخية, ففي المجتمع المعاصر لايوجد حوار يهتم بكل هذه التفاصيل في عولمة للثقافة وشيوع انماط الاستهلاك وقيمة الترويج للمنتوجات الصناعية وتصوير الحياة اليومية على انها متعة ورفاهية في ثقافة الصورة المتحركة التي تبث عبر الاقمار الصناعية وعبر اساليب الحياة اليومية في الطعام والشراب والملبس والهاتف والفن الذي دخل مجال التعليب في الاسواق واللافتات الضوئية والتعبير عن هذه الحياة بوسائل الاعلان الذي يحقق مقولاته في دقائق ويرمى من سلة المهملات. وعليه فقط ان لاينسى ان يقدم كل ذلك بنوع من التسلية وملذات الحس واثارة الغرائز3 وصار الفرق واسعا بين نساء بيكاسو المشوهة ونساء تولوز لوتريك او رينوار وبين المرأة المخملية وعارضة الازياء وصور النساء التي تستعمل وسيلة لبيع العطور الحديثة..

لقد هبطت الثقافة الاستهلاكية في الثقافة التقليدية ونشأ الخصام الثقافي بين قديم مغلق وجديد قادم. لوحة الرسم الثابتة تنوء اليوم بثقل الفضاء الاجتماعي المشبع بثقافة الصورة السريعة الذي تخللته واستعمرته، كما ان الاصل الذي لا يمكن اعادة انتاجه ترجم الى صور مألوفة ومعتادة, هكذا فتح الفضاء الجمالي المغلق للسياق الثقافي، ومن هنا الهجوم النقدي لكتاب ما بعد الحداثة على الافكار القديمة لـ (ذاتية العمل الفني) وذاتية الجمالي التي استمرت فترة طويلة، ومن هنا فان نهاية ما يسمى بالحداثة تعني نهاية الجمالي نفسه او علم الجمال بصفة عامة الذي كان يغمر كل شيء ثقافة تبادلية بصورة او اخرى، فينهار التمييز والتحدي التقليدي لعلم الجمال ويتلاشى تماماً.


4 – تحول القيم وموت اللوحة

هل تاه الفن فاضاع طريقه, ام ان ما يجري -على وفق ما ذكرناه- في اصقاع العالم يكشف عن تغير هائل في المفردات القاموسية والحضارية, اعني هنا الثقافة والفن؟.. هذا ما تؤكده الاخبار المتفرقة في وسائل الاعلام عن اغلاق سبعين بالمئة من قاعات العرض الكبرى التي كانت تضيء سماء التشكيل في باريس, بينما يسهم بعض ما تبقى من القاعات بالترويج لرواسب الماضي في ظل فقدان المتفرج. ويبدو ان اللوحة التشكيلية في هذا السياق تواجه عصرا جديداٍ ليس في سياقها ونظامها وحسب بل في تلقيها ومكانها.. وفي رسالتها. وبعكس ذلك انتشرت معارض الفوتوغراف واسهاماته، فوتوغراف الصحافة, والاعلان, والموضة والفوتوغراف الفني.

اصبح للفوتوغراف حضور من نوع جديد يتماشى مع حضور السلعة.. انحرف الى افاق جديدة.. فالصورة المصنوعة التي هي مجرد انعكاس للواقع تتخذ على انها هي الواقع ذاته، وتصبح لها مصداقية تفوق مصداقية الواقع الحقيقي، ومن ثم تصبح ايديولوجيا اطلق عليها بوديار صفة (الواقع الفائق)HYPERREALITY 1 . ان ما يميز الصورة الفوتوغرافية هو الكمال والصنعة المتقنة, لذلك فهي تقدم واقعا كاملا مركزا كما يقول بارت..تقدم بشكل موضوعي ومحايد واكثر واقعية من الواقع وتعني الموضوعية والحياد وعدم اعتماد الصورة على رموز وشفرات تحتاج الى فك مثلما نجد في اللوحات الزيتية مثلا مما يجعل قدرتها اكبر على الايهام والتزييف.


5 –الصورة في خدمة الاستلاك

الصورة هي الوسيط بين السلعة والمستهلك وتقديم السلعة في صورة من بين مقومات الاقتصاد الاستهلاكي في زمن العولمة. فالسلعة القوية التي تنتجها شركة كبيرة هي القادرة على الاعلان عن نفسها, القادرة على ان تظهر في صورة. ان واجهات عرض محلات البيع تكشف اليوم عن وظيفة اكثر عمقا من مجرد كونها وسيلة لعرض السلع, فما هو موجود..معروض, لقد اصبح ظهور الشيء امام المشاهد دليلا على وجوده, فان ترى هو ان تؤمن.. والعارضة تعبر عن وضع سوسيولوجي من نوع خاص لاهي منتمية الى المجال الخاص ولا الى المجال العام للشارع, انها ذلك الوسط الذي يلتقي فيه العام والخاص، وفي اشارة الى مقولة (ماكلوهان) الشهيرة (ان الوسط هو الرسالة) تحول المتحف الذي كان يوما يسكنه التاريخ الى واجهات في الشوارع لبيع الاعمال الفنية نسميها (قاعات) Galleries حيث غادرت اللوحات مكانها الابدي لتتحول الى جزء من نظام آخر من طور الصورة المرآة الى الصورة الشاشة. تقوم المرآوية على اقصاء الصورة فأشباه الاشياء تأخذ مكانها وتفقد محتواها ورمزيتها واسمها, بل ان وظيفة المرآوية ان "تبطل حتى ضرورة التبرير والاقناع، وحتى الخداع بكل فنونه الثقافية والتقنية، يقوم تخصيص المرآوية على هذا التطور(قمع ستراتيجية التسمية)" لايعني ذلك عزل الاشياء عن اسمائها ولكن تفريغ كل من الاسم والمسمى من الدلالة..ما يمكن الوصول اليه هنا ليس نهاية فن الرسم فحسب, وانما رفض الصورة لاي دلالة ممكنة1 . وامام المشهد الاخر (الصورة المتحركة) فلم يكن للحركة وجود الا من خلال رقصة الاشجار على لحن الرياح, يصورها كلود مونيه، كما لم يكن للضوء مكان الا من خلال اشعة نور تسربت الى غرفة ملاك نائم, اننا نشاهد هذا الضوء في لوحات (رامبرانت).. نشاهد الضوء (النور) من خلال الصورة (الموضوع).. اما بعد وفاة الموضوع او الجانب الحكائي في العمل التشكيلي, فقد اصبحت الحركة ذاتية ناتجة عن حركةمصباح مثبت داخل جسد جهاز الحاسوب. الضوء هو اللون في حد ذاته لاحين يكسو غير ذاته1 . حين نفكر قليلا بهذا الوضع في هذا الزمن.. نكاد نقتنع بوفاة اللوحة ذاتها لا بوفاة موضوعها..

اما الفن فقد اصبح بدون عنوان وبعد ذلك اتخذ من (بدون عنوان) عنوانا له.