أطروحة الدكتوراه


تقدمة

شهد مطلع القرن العشرين تخلخلاً في التناول الشمولي للظواهر الفنية، يمكن تسميته مرحلة المحك، هي الفاصلة بين هويتين: هوية أولى رائدة تتمحور حولها كل بنيات المجتمع وتغلق عندها آخر الانجازات، والثانية هوية تحاول التبديل في مواجهة هذا الراسخ لتسمي الأشياء بمسميات أخرى محركةً بعض أجزائها في محاولة لتخطيها. وكل هذا يأخذ شكل صراع، بعضه هادئ وبعضه صاخب، فالانتقال من هوية إلى هوية أخرى أمرٌ غير هيّن، إذ انه يتطلب رؤية وقراءة ومفاهيم أخرى، والبحث الفني دائماً يتضمن الخطر، لان كل جديد هو بمنزلة أذىً ومشاكسة واتهام، وهو محاولات من أجل التوصل إلى إحداث تغيير في القراءة وتغيير في الذوق والمفهوم والرؤية التي اتخذتها الجماعة قيماً ومقاييس لها.لقد ظل النقد الفني في الوطن العربي (في الأغلب الأعم) منذ نشوء الحركة الفنية المعاصرة خارجاً عن موضوعه الذي هو في ابسط تعريفاته تفسير الأعمال الفنية ذاتها وتحليلها، إذ بعد كل شيء، نجد أن الأعمال الفنية ذاتها هي التي تسوّغ كل اهتمام تبديه بحياة الفنان ومحيطه الاجتماعي وبعملية (التأليف) الفني كلها.

ولكن من الغرابة بمكان، إن النقد الفني عبر تاريخه، كان شديد الانهماك (بإطار) العمل الفني، بحيث كانت محاولات تحليل الأعمال الفنية ذاتها ضئيلة إذا ما قورنت بالمجهودات الهائلة التي بذلت لدراسة المحيط الاجتماعي، وليس من الصعب العثور على بعض أسباب هذا الإلحاح المبالغ فيه على الظرو ف المكيفة بدلاً من الإلحاح على الأعمال ذاتها. (تحت مقولة أن الأزمنة المختلفة تتطلب مقاييس مختلفة)، وتحت هذا المفهوم تاريخياً ومع الرومانتيكية - التي لم تستطع أن تهدم النظام النقدي للكلاسيكية الجديدة - انزاح الإلحاح من الفن إلى خلفيته التاريخية التي كانت تستعمل لتسويغ القيم الجديدة المنسوبة إلى الفن القديم. وفي القرن التاسع عشر غدا الشرح عن طريق عرض الأسباب كلمة سحرية، انزلق معها الاهتمام إلى الذوق الفردي (للقارئ) بحجة أن الفن من حيث الأساس غير عقلاني ويجب أن يترك (للتذوق). وقد أدى نقص الوضوح في مسائل النقد الفني إلى عجز كبير لدى معظم الباحثين حين تواجههم مهمة التحليل الفعلي للعمل الفني وتقويمه.

إن النقد الفني العربي لم يستطع الخروج على هذا التوجه، ففي بحوث قام بها طلبة الدراسات العليا في كلية الفنون الجميلة ببغداد تتصل بالنقد التشكيلي في العراق 1993 مثلاً استناداً إلى المنشور في مجلة فنون والإذاعة والتلفزيون ومجلتي التراث الشعبي وإسفار وجريدة الجمهورية فقد تم جمع أكثر من (ألف) مقالة وبحث في النقد التشكيلي ... تُوصِّل إلى نتائج مهمة ومتوقعة في آن: إن النقد الفني طوال أربعين سنة ظل في حدود، العرض العام، والتاريخي، والعرض الخارجي والانطباعات الشخصية، والإنشاء اللغوي، والتكرار ... إلى غير ذلك(*) .

ولقد وجدنا أن هذه الأسباب كفيلة بإيجاد طرق تحليل جديدة وان المناهج القديمة يجب أن تراجع متوناً ومفاهيم ومصطلحات. لقد حدثت في السنوات الأخيرة ردة فعل سليمة تقر بان دراسة الفن يجب أن تركز أولاً وقبل كل شيء على الأعمال الفنية ذاتها، فظهر منهج شرح النصوص في فرنسا والتحليل الشكلي الذي يقوم على التوازي مع تاريخ الفنون الجميلة في ألمانيا، ثم الحركة الألمعية للشكلانيين الروس وإتباعهم في مدرسة براغ. وفي انجلترا قام إتباع ريشاردز بتركيز انتباههم داخل النصوص الأدبية ومن ثم النقد البنيوي والسيميائي والتداوليات والتلقي ... الخ.

وللأسباب التي ذُكرَتْ والتيارات الحديثة التي أمامنا، اخترنا أن يكون موضوع بحثنا في إطار علم العلامات (السيميائية) الذي يمثل بمناهجه اتجاهات بحث يمكن أن تقود إلى أبعاد جديدة داخل المنتج الفني. إضافة إلى إن ما يلفت في هذا الحقل الإمكانات الكثيرة التي تنتجها تطبيقاته المنهجية على الخطابات الفلسفية والأدبية والاجتماعية والفنية، ومن هذه الناحية تبدو السيمياء مثيرة لمناهج أكثر منها كموضوع وان عملها كما حددته جوليا كرستيفا هو إعداد أنظمة شكلية تكون بنيتها مشاكلة أو مماثلة لبنية نظام آخر (النظام المدروس) مما يتيح لنا الكلام على مستوى سيميائي هو مستوى تقعيد الأنظمة الدالة.

وهكذا فأن الأهمية المميزة للسيمياء إنها لدى تطبيقاتها على حقل ما، لا تتوقف عند تفكيك بنيته، ولكنها عندما تنجح وتكشف مدلولاته، تغير علاقته بالوعي، فيصبح خطاباً آخر بمستويات من الدلالات ذات انساق متناظرة تضفي على مظهر الخطاب عمقاً استراتيجياً جديداً.

وعلى الرغم من أن السيمياء خاضت تجارب واسعة في شتى الميادين في العلوم الإنسانية وخصوصاً في مجال الشعر والرواية والأساطير إلاّ أن اهتمامها بالفن التشكيلي ظل محدوداً إلاّ من انفعالات بسيطة بقيت في حدود العموميات.فقد عدّت المداخلة التي قدمها موكا روفسكي في المؤتمر الدولي الثامن للفلسفة في براغ عام 1934 أولى المحاولات لدراسة الفن كواقع سيميولوجي وقد استنتج آنذاك بأن الطابع السيميولوجي للفن لم يصبح واضحاً بعد، وان دراسة بنية العمل الفني تبقى بالضرورة ناقصة (ينظر بهذا الشأن كتابات كافزان تودوز، العلامة في المسرح). وقد اعترف رومان ياكوبسن بان الرسم والسينما لغتان غير السنيتين، وأدى انفتاح (رولان بارت) على شتى مجالات الفن إلى خلق إطار عام تأتلف داخل تلك المجالات.ومن المفيد الإشارة كذلك إلى أن موضوع الفن كمنظومة سيميولوجية كان واحداً من أهم الموضوعات في الندوة التي عقدت في الاتحاد السوفيتي عام 1961 عن العلامة، إلاّ أن نظرية العلامة لم تكن قد طبقت حتى ذلك الحين بنحو منظم على أي مجال من مجالات الفن.

أما فيما يخص الاشتغال بهذا العلم في العالم العربي، فان معظم الجهود تركزت على سيمياء النصوص اللغوية، فالكتب والمقالات التي تعالج القصيدة والقصة والرواية متوفرة، كذلك لا تخلو المكتبة العربية من بعض المؤلفات حول السيمياء النظرية، أما الدراسات على الأنساق غير اللفظية فهي نادرة أو شبه معدومة كما يشير لذلك (عادل فاخوري) في مقالة حول إشكالية السيمياء) فليس هناك سوى قلة من الأطروحات الجامعية غير المنشورة التي تتناول سيمياء المسرح وعلوم الإيماء والحراكة والبونية من الناحية التطبيقية وبالرغم من بداية حركة ترجمة في هذا المجال، فقد ظل الرسم بعيداً والتهيب من دراسته على أساس سيميائي واضحاً من خلال خلو المكتبة (العربية) من دراسة متخصصة في ميدان التشكيل

ولهذه الأسباب، وجدت أن التصدي لهذا الموضوع أمرٌ مهم، فعسى أن يكون بداية لدراسة فن الرسم ومن ثم التأسيس لمنهج قراءة من نوع آخر، أيجاد أسلوب في معرفة النظم والأنساق التي تتحكم في الحقبة الفنية التي نتصدى لها، والى الكليات التي تحرك هذه الحقبة.

وأخيراً من الأمانة العلمية القول بأن هذا النوع من القراءة محفوف بالمخاطر والمزالق إذ يتطلب من منجزها المشاركة في كثير من العلوم، ومن ثم فقد واجهتنا صعوبات متعددة في صياغة كل فقرة من فقرات هذا البحث، فحاولنا تذليلها ما استطاع لأسباب تتعلق بمشكلة التأسيس، ومشكلة المصطلح الذي لم يَعْتَد عليه القارئ، ومن ثم صعوبة مصطلح الرسم نفسه بكونه منظومة غير عقدية يتطلب تحليلها كثيراً من التجريد. كما أن الإيصال في مثل هذه البحوث يعد مشكلة أخرى. ولكن الشعور بنقط الضعف والرغبة في التعلم والدأب على البحث كفيلة بان تذلل ما صعب وتقّوم ما اعوج. وبعد فاني أرجو لهذه المحاولة أن تحقق بعض المتوخّى من الأهداف وان ينظر إليها بكونها بداية طريق وإذا لم يكن البحث تاماً فان هذا جزء من علميته، أما الكمال والمطلق فهما لله وحده.

الأطروحة كاملة
(PDF)

الصفحات الأولى

الفصل الأول

الفصل الثاني

الفصل الثالث

الفصل الرابع

معجم المصطلحات

المصادر