الحواس لا تتراسل

 

لابد من إعادة اختبار المقولات النقدية، في الفن، دائمًا. كما حدث للمقولات الأولى في تأريخ المعرفة. هل السطوح عبارة عن فضاء عدميّ، حتى تـُملأ بتلك الأثقال التي نسميها حمولات جماليّة، أو بالمصطلح الفنيّ، أشكالا؟ أو، إذا استعرنا تعبيرات الفلسفة؛ هل السطوح وجود بالقوّة، حتى تكون، بالأشكال ، وجودًا بالفعل؟  ظل تأريخ نقد الأشكال يجيب بالإيجاب عن هذا السؤال. الآن : ألم يئن الآوان لزحزحة بداهاتنا في معرفة الفن، أو بعض منها، حتى وإن كانت هذه الزحزحة، تـُعَدُّ مروقـًا إيديولوجيًّا؟

سنجيب بسؤال: هل الأشكال تكون على السطوح، أو فيها؟ لاأحد يشتغل في ألف باء النقد يقول " عليها " لأن ذلك معناه أن بالإمكان إنتاج أشكال بلا سطوح، لم يتبق إلا أن نقول الأشكال في السطوح، حينئذ سيصبح السطح شكلا بالفراغ؛ تلك الفجوات البيضاء التي تعين كل العناصر الهندسية للوحة، وتميز بعضها من بعض؛ الخطوط والكتل، وحتى الألوان، لأن الإحساس بتنوع الألوان يكمن في الحدود اللامرئية، الفاصلة بينها، وهذه الحدود ممتلئة باللامرئي الذي نسميه فراغـًا. رابط هذه الكلمات مع موضوع هذا التقديم هو أن المؤلف الاسمي لرسوم (العبق المهجور)،بلاسم محمد، هو أول باحث عراقي، بل، على حدّ علمي، هو أول باحث يكتب بالعربية، تناول موضوع الفراغ في الفن التشكيليّ،في رسالته للماجستير، بكونه – الفراغ - عنصرًا تكوينيًّا، ومن ثـَمَّ، عنصرًا تشكيليًّا.

***

في منتصف السيعينات، تدفق جيل من الشباب الأكاديميين على صحافة الأطفال. ولم يكن دافعهم الأول هو الحصول على المال، بل كانوا يبغون الجمع بين مناهجهم النظرية والتطبيقية في الأكاديمية، والتدريب الحي؛ وكان ما يشجعهم على ولوج هذا الباب، أسماء رنانة في عالم الرسم؛ سبقتهم إلى ذلك؛ من بين تلك الأسماء: طالب مكي وفيصل لعيبي، وصلاح جياد. كنت، آنذاك، رئيسًا لتحرير مجلة (مجلتي)، وجريدة (المزمار)، ولم يكن مشروع صحافة الأطفال قددخل تحت خيمة التعبئة، والأدلجة الجوفاء، بعد. ولهذا تمكن هؤلاء الفتية، من شق طريقهم، باتجاه تلك السطوح المنتظرة لتشخيص الخيال المتوثب لعالم الأطفال. سأذكر جردًا من تلك الأسماء: عبد الرحيم ياسر، ومنصور البكري، وسهام كوركيس، وهناء مال الله، وكاظم شمهود، وبلاسم محمد، وعلي المندلاوي، ورضا حسن، وحسام عبد المحسن، وضياء الحجار، وعبد الحسين محمود، ونبيل يعقوب، وأديب مكي وقيس يعقوب وعمار سلمان. لقد نجحت هذه الكوكبة في إنتاج التنوع الأسلوبي داخل وحدة الرسم. مبشرة بظهور المعالم الأولى لصرح رسوم الأطفال في العراق، بعد أنْ خلـّف لهم سابقوهم، قاعدة تأسيس سليمة، غير أن طوفان الحروب الذي غمر العراق، وهوسات الكومبارس المبحوحة، والدخول في نظام القطيع، قد فرق هؤلاء الفنانين، كما كل شيء في العراق، أيدي سبأ. ولا أظن أن انهيار سد مأرب الذي وُلِد هذا المَثل، من خلال أنقاضه، بمنطبق على مجموعة، كما ينطبق على هؤلاء الرسامين البازغين؛ سيق بعضهم إلى دوائر التجنيد، والآخر إلى صفوف الجيش ( الشعبي )، ولوحق آخرون بتهم مصنـّفـَة، وفرّ من استطاع الفرار، خارج الحدود، وتسلل بعضهم إلى المنافي القصيّة، داخل ذواتهم، وباختصار لقد تقافزوا ككناغر مذعورة، ليظلوا على قيد الحياة، بذكرى ولاداتهم: الحريّة!

وإن نحن تركنا ذلك الشجن التأريخي، وعدنا إلى رسم ملامح تلك الحركة الفنية، وجدنا أن الأغلبية الغالبة، أدارت ظهرها للدراسة الأكاديميّة، بعد حصولها على الشهادة الأكاديمية الأولية، لتنغمر في التحديق في السطوح البيضاء، ومن ثـَمَّ، لتملأها بالحمولات التعبيريّة. أمّا البقية الباقية، ولا أعرف إلا أربعة، فقد استمرت في صعود سلـّم الأكاديمية: ضياء الحجار، الذي حصل على درجة الماجستير، وكانت رسالته تدور على فن الكاريكتير في العراق، ثم توقف عند هذا الحد، وحسام عبد المحسن(عن الأصالة والمعاصرة في الرسم)، في حين واصلت هناء مال الله، وبلاسم محمد الدراسة، حتى نالا شهادة الدكتوراه، ومن قبيل اتفاق المصادفات، أن أكون مشرفـًا مشاركـًا على أطروحتيهما. وكان بلاسم محمد قد تناول في رسالة الماجستير، كما أسلفنا، ( تأويل الفراغ في الفنون الإسلامية )، أما أطروحته للدكتوراه، فدرست (التحليل السيميائي للرسم العراقي ). ولقد أسستْ هذه الأطروحة، وقريناتها من بواكير هذا النوع من الدراسات، في بعض أقسام الأكاديمية، لتحرير النقد التشكيلي من المسارات المورثة في ذلك النقد؛ تقنياتها، وتواريخها، وأفكارها وسيرها الذاتية، وطابعها السياسي،  إلى فضاء فني خالص؛ تستغرقه المنفعة الجمالية، إذا كان لنا أنْ نساير مبدأ البراجماتيّين : لاشيء إلا وراءه منفعة ما.

أصبحت القراءة السيميائية مقبولة في البحث الأكاديمي، بعد أنْ ترددت أصداؤها في المسرح، والسينما. وإذ أذكر التأريخ المزدوج للمعرفة التشكيلية؛ النظرية، والعملية، فلا بد من ذكر أن الفارين بجلودهم، من التشكيليين، الأغلب منهم، قد استثمروا الضرر الذي لحقهم، وواصلوا دراساتهم الأكاديمية، في أوروبا، وبلاد الإفرنجة خاصّة.

***

كان بلاسم محمد في أثناء عمله في دار مجلتي والمزمار، مشرفـًا فنيًّا؛ في تصميم المطبوعات. وكان، في الوقت ذاته، يقوم بمهام خطاط المجلة. لقد كانت عنايته بالخط، كجزء من العملية التصميمية، والوظيفية، عناية مبكرة. وسيظهر ذلك، بعدأكثر من ربع قرن، في اهتمامه بفن التخطيط  GRAPHICS ، وفي حين كانت قاعتا الرسامين، الذين تجاوزعددهم العشرين، تنتجان، كل يوم، عشرات الصفحات، لم يبدُ على بلاسم أنه معنيٌّ بالرسم، أكثر من عنايته بتصميم هذه الرسوم، وتوزيع العناصر الأخرى عبرها، باعتبار أن الرسم هو نواة مخاطبة الطفل. وكانت هناك نقلة أخرى صاحبت مشروعه الفني، فقد أسس، مع فنانين آخرين، مطبعة إيكال، وفضلا عن أنّ هذه المطبعة كانت مشروعًا تجاريًّا، كانت ميدانا عمليًّا، للتجريب الطباعي الفني، لاسيما بعد ظهور علوم الحاسبات، والأجهزة الرقمية   DIGITAL  كما أن التطورات الهائلة في الفنون المعمارية، التي حولت فضاءات المدن، إلى أوراق بيضاء؛ حيث يتسلل الرسامون الخالصون، والرسامون الإشهاريون، من بين الفجوات التي يتركها النحاتون والمعماريون، ليملؤوها بما يشكل معارض مفتوحة داخل الهواء المحبوس، هذه التطورات البصرية الانقلابية، والعاملان السابقان؛ الانغماس الأكاديمي، وتجربة ثقافة الأطفال، ربما تكون هي العوامل وراء انفجار كبت الرسم، لدى بلاسم محمد. أقول (انفجار) لأنه شكل اطّرادًا مفاجئـًا في إنتاج اللوحات، وإقامة المعارض، المحلية منها، على جدران بيته، أو في القاعات الرسمية، وطبع الأدلة. فجأة، كأن بلاسم محمد قد تخلى عن كل شيء إلا الرسم. فكيف لنا أنْ نرى هذه الرسوم المعراة من تأريخها المتشابك، الذي جئنا على طرف منه. ما المعنى الذي تخلفه تلك الأشكال؟، وما الرسالة التي يخلفها هذا المعنى؟ وهذان السؤالان الإشكاليان اللذان أحاول الإجابة عنهما، هما نتاج تجربة مشاهَدَة متكررة؛ تحاول الغوص إلى المعنى الثاوي في ذلك القاع، الذي تبخّر على شكل لوحات، وأعني بـ (تبخّر) معناها الحرفي لا المجازي، فالرائي، أو حتى المار من محيط الرؤية لهذه اللوحات، يصطدم بذلك الغبش، والانبلاج، اللذين يشيران إلى موجود في مخاض تشكله!

***

تعد الرسوم التي يحتويها كتاب ( العبق المهجور ) امتدادًا لنسق الرسوم التي احتواها معرضه الذي أقامه في غاليري الفن/ دار الأندى، بعنوان ( الهجرة إلى الواقع ) وقد علقت، في ثقافة الأسبوعيّة، على لوحات هذا المعرض الذي ضم ست وثلاثين لوحة، " تقول لنا تلك الأشكال الخطيّة: إن أصل الوجود هو النقطة، لكن أصل فعل الوجود هو الخط، وما نحن، في نهاية المطاف، سوى خطوط متقاطعة؛ تـُنتج طاقة دالـّة!".  تتكرر في ( العبق المهجور ) الحيوات المغبّشة. اللون فيها لايؤدي وظيفته المعجمية؛ الكشف عن طريق أصول الضوء التي كانها، بل يعمل على تشبيح تلك الحيوات المكونة من خطوط لينة؛ ملتف بعضها على بعض. النسق يقوم على بناء كتلة عملاقة، بنسب اللوحة، تشبه عائلة شرقية، يتكوم نسلها، بعضه على بعض، وتتعين داخل حدود ثابتة ومكسورة، لمربعات، ومعيّنات، ومستطيلات؛ أفقيّة، ومتعامدة، لنكون بإزاء دوامات، لايفصل بينها سوى الأطر والتنويعات اللونية. إنها نوع من التجريدات المكبوتة، والتعبيرات الإيحائية التي تغري البصر وتراوغه في آن! هناك خلاء رهيب، بين الهجرة إلى الواقع، والعبق المهجور. الهجرة إلى الواقع تقوم بمعاكسة دلالية، لأن الهجرة، فلسفيًّا، هي من الواقع إلى ماورائه، واجتماعيا، تكون منه إلى الغربة عنه، وسياسيًا، منه إلى تغييره. إن عكس هذه الدلالة، إنما قام من أجل إنتاج الدلالة التي نحن بصددها: الواقع ذاته أصبح ماورائيًّا، ومغتربًا، وناكصًا، أقول بين الهجرة والمهجور تقع الدوامات التي هي مجموعة الكنايات التي نتجت عن استنطاق الخطوط! باختصار إن هذه الرسوم عبارة عن يوتوبيا الواقع؛ مدينة العبق التي تقطعت السبل فيها أمام الحواس!