الفراغ يحمل ثقل التشكيل في أعمال بلاسم محمد - اللوحة تتوهج في ظل الظل

السؤال الذي يطرح نفسه عند قراءة الأعمال الفنية في الفن الحديث، هل يستطيع الفنان أن يبعد مدركاته المعرفية عن التأثير بحس اللحظة العفوية و تغييب الوعي؟، عندما تتوفر الطاقة الكامنة في نقطة تفجرها حاول الكثير من المبدعين الانطلاق نحو العفوية والبراءة، عند الوقوف أمام اللوحة وتحريك الفرشاة علي القماش، منذ ظهور أعمال شيجال وما بدأه السرياليون في حملتهم، وصولا إلي ما تناوله ميرو وكاندنسكي، للوصول إلي لحظة تغييب الوعي، وإيجاد الانسجام بين الذات والرؤية الجمالية،

ولكنها تبقي محاولات، فالمعرفة ثقل ضاغط، تتحكم بالقنوات الأخري، وتؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة علي الخط العام لأعمال المبدع، وبالذات علي الرسام، فتسقط أرادتها لتحدث الانزياح، شاء أم أبي المبدع، وليس من السهولة الوصول الي ما يظهره الفنان البدائي من عفوية، علي الرغم من وجود البنائية المدروسة، ولكنها ليس الأكاديمية، ومردها للحساسية في الرؤية البصرية من الطبيعة (ام الفنون) مباشرة والانسجام معها، وهو ما يفسر لنا جمالية الأقنعة الأفريقية، وتناسق الخطوط والألوان في البسط التي تنتجها الشعوب البدائية، واعمال الهنود الحمر.....الخ، ولكن في الجانب الاخر، هل هذه الممكنات الادراكية بتأثيراتها، ممكن لها ان تعطي نفس النتائج الإبداعية، علي صعيد الابتعاد عن الصنيعة و المهنية الي حالة الإبداع، تبقي الإجابة معلقة، في كيفية التعامل بين التهذيب والتشذيب للوصول بالموهبة الي موقع الإتقان الأكاديمي، ومن ثم العبور بها إلي دروب اللاوعي، لتصبح جزء من مكوناته وبنائه، عند ذاك تتشكل خطوط العفوية المدروسة مصاحبة للتوهج العاطفي المشحون بعفوية الإدراك، والتي هي أصلا خروج عن طاعة العقل وسيطرته،ليضع المبدع انتاجه المركب من التجربة، والموهبة والاتقاد الذهني، ولعل ما قاله الشاعر العباسي لتلميذه عندما سأله، كيف يصبح شاعرا، اجابه أحفظ الف بيت وانساها، وهو مثال علي إتقان الصنعة ومن ثم تغييبها في اللاوعي، لتصبح جزء من الكيان.

وتجربة الفنان بلاسم محمد، تتلاصق مع ظل هذه الحقائق التي أوردناها، ففي الوقت الذي شكلت إمكانياته المعرفية، حقلا واسعا للولوج إلي عوالم متعددة من الفنون، الخط والزخرفة و الكرافيك، أبقي مكامن الموهبة قيد السيطرة، وحاول أن يدرس العلاقات بين الموهبة والصنعة من خلال التجربة، وتوضح هذه في تجربة إنشاء مطبعة لانتاج تصاميم مختلفة، اعلانية وتسويقية، كما انها تندرج مع ما اشترك فيه من من معارض مشتركة سابقا، لكنه يخرج عن نمطيته في اكتساح الألوان للوحة في معرضيه الأخيرين (الهجرة الي الواقع) و( العبق المهجور) وتتضح هذه المؤثرات بصورة اكثر دقة في معرضه الأخير (اشياء الصدفة) فيدمج الاحاسيس والانفعالات الذاتية بما يحيطه من مؤثرات ووقائع، مع خطوطه والوانه علي ظهر اللوحة، ليظهر اندماج وتناسق بين الموهبة والمعرفة.

 

الانفعالية وحركة الخط

لا شك ان المدي المحدود الذي تتيحه لنا اللوحة، بفهم عوالم الفنان، بقماشها والوانها وخطوطها والنص المعبر عنها، يكشف لنا هذه العوالم التي تضطج وتتصارع داخل الفنان ولو بشكل محدود، ولكنها كشوفات علي الرغم من انها تبقي محدودة، الا انها تشي ببعض من هذه الاحتدامات، ويتوضح هذا في أعمال بلاسم، فالانفعال المكبوت والمقموع في داخله، يظهر علي اللوحة في نهايات العمل وليس في لحظة الانفعال ومقدمتها، مما يوضح القلق الذي يتراكب في داخله، والحث المتواصل، فيما يتصوره بالصح والخطأ في واقعه، ان المؤثرات الخارجية تبدو واضحة للعيان في اعمال بلاسم، من حيث بنائية اللوحة الهندسية، بخطوطها والوانها، فهو يحاول الانسجام بذاته بين الداخل والخارج، واقناع ذاته بذلك، الا ان الاصطدام اقوي من المكابح التي يضعها، لهذا نجد العتمة والضوء هو المسيطر علي البناء العام، ولا اقول (الظل والنور) كما في اعمال رامرانت والاخرين، فما الفاصل بين ان تري الامل ماثل امامك وانت تعيش اليأس والحرمان، لا حدود فاصلة توصلك الي معادلة تنتهي بها حياتك، وانت ما تزال تبحث وتعيش الامل الذي لن يأتي به (غودو).

قد يكون عن سابق معرفة، او محض مصادفة ان تكتشف بعض حيوات ذاتك، ولكن الاجزاء المتبقية قد تكون هي المهمة وانت غافل عنها، وتبقي في غياهب الاسرار، تبتعد وتقترب منها، وتظن انك وصلت،ولكنك لم تبلغ درجة الخروج من الصفر، انها محاولات، وهذه المحاولات واضحة المعالم في اعمال الفنان بلاسم الاخيرة، لايجاد المعادلة الموضوعية، بين ما يطمح له وبين الواقع، فهل يكذب علي ذاته؟ قبل ان يكذب علي الاخرين، ويعلن انه استوطن الغربة وتعلق بالحلم، ليخرج من الهزيمة الذاتية، ان ملاحقة الذات، وكيفية الوصول الي اعماقها، استهلكت الكثير من جهد المبدعين علي مر العصور، فظلت عصية علي من يريد ان يصل الي منابعها وجذورها، ولكنها تندرج في محاولة ازالة العتمة ونشر الضوء، فهل توصلنا حركة الخطوط وتعرجاتها وخربشاتها التي ظهرت في اعمال الكثير من الفنانيين وعلي سبيل الذكر وليس التخصيص، فان هذه الخربشات والخطوط المتوازية والمتقاطعة مثلت اهمية جمالية مكملة لاسلوب الفنان محمد مهر الدين؟، فهل ندرج هذه البنائية الخطية، التي تتحول في لوحات الفنان بلاسم، من رسم هندسي وبناء محكم في تكوينه الي خطوط متعرجة ومتقطعة وبلا نهايات وخربشات تمثل التقاطات من زخرفة الفنان الاسلامية، ام تاثيرات، او ابعاد نفسية؟

 

بنائية اللوحة وبنائية الذات

لا يمكن غض النظر عن المحمولات المعرفية، التي سبق الحديث عنها في المقدمة، التي تفرض وجودها علي العملية الابداعية، وهو ما يجعلنا نقف امام لوحات الفنان بلاسم الاخيرة وخصوصا في معرضه (اشياء الصدفة) الذي يتبع فيه الفراغ، ويصبح سيد المشهد علي اللوحة، وياخذ اللون الابيض مساحة اكبر، وعند تفحصنا لهذا الاهتمام في الرؤية البصرية للونين الابيض والاسود في اعماله الاخيرة، سيكون متوافقا مع اهتامه المعرفي في البحث والتجريب، الذي صبه في رسالة الماجستير (مفهوم الفراغ في فن التصوير الإسلامي/عام 1988) والتي درس فيها معاني الفراغ في الرسوم الإسلامية وهو ما يؤشر علي مدي التأثير المعرفي في الرؤية الجمالية، ومحاولات البحث و التجريب للوصول إلي الرؤية الجمالية المتطابقة بين الموهبة والإتقان، فأعماله السابقة كانت تضخم الكتلة علي حساب الفراغ، من خلال أنشطة تجريدية يتحرك فيها اللون ودراسة تجانس جمالياته، ولكنه يتخلص من تبعات التواصل التجريدي، ليعبر عن جمالية الفراغ واتساع وجود اللون الابيض في لوحاته عبر معارضه الثلاثة الاخيرة،مع الاهتمام بالنص، كمكمل للبناء العام للوحة،والخروج من اسر اللون وتجريداته الي حالة الحضور، وفيها يتضح مدي التأثير المعرفي، اذا توطن مع الرؤية الجمالية، والملاحظة المهمة في اعماله الاخيرة، هو ارتفاع الكتلة في اعلي اللوحة، وسيادة الفراغ في الاسفل من اللوحة، متحملا ثقل اللوحة في الرؤية البصرية، أي ان القاعدة هو الفراغ، وهي تمثل دلالة رمزية علي ثقل المحمول الفكري لوقائع الحياة، بوضع التعارض خارج اطار المفهوم الفيزيائي بجعل الفراغ حاملا للكتلة، والكتلة تستند في علاقتها الي اللاشيء، لا شك ان المعاناة التي يرزح تحتها المبدعون، وبالذات المبدعين في العراق ودول عديدة تعاني من الاضطهاد والقهر وكبت الراي والحريات والاحتلال، تتوازي مع ما يعانيه الفنان الغربي من سيطرة راس المال وتحكمه بمصير شعوبها وطبقاتها المسحوقة، بين الفنان الشرقي والغربي، ولكن الفروقات ان الفنان الغربي يتوجه الي أكثرية متحضرة، بينما يخضع الفنان في الدول المتخلفة الي جانب سلطة المتخلفين، الي سيادة الافكار المتخلفة التي تساعد علي بقاءها حكومات المتخلفين، وهذه تترك اثارها علي المبدعين، لتتحول الي رؤي وافكار، يخضع بعضها الي التشفير والترميز، ولكنها جميعا تصب في اظهار الرفض لكل ما هو ضد حرية الانسان، برؤي ابداعية جمالية، تثير مكامن الاحاسيس والمشاعر، وتمد الذات بوقفة دهشة وتأمل، فالكتلة السوداء او باللون البني المحروق في لوحات الفنان بلاسم، مثقوبة بعيون وشبابيك وأبواب، بعضها مغلق وبعضها مفتوح، تخطيطات لم يكتمل بناءها، وخطوط سائبة تبحث عن مستقر لها، وكأنها خلاصة الافكار التي تحملها الكتلة دون ان تجد خلاصها.

ان البعد الانشائي في لوحات الفنان بلاسم، يتم ببعده الجواني، بما يحمله من قلق، وشعور يدفعه للاغتراب، فيعطي للمساحات الوان نقية، ندر ان تمتزج مع بعضها او بلون اخر، تذوب في اللوحة الخطوط المتشابكة بخربشة انفعالية، وانما بعد ان تأخذ اللوحة مداها الزمني، وعلي الرغم من انه يستخدم ألوان (الاكريليك) التي تساعد الفنان علي الاستمرار في عمله علي ظهر اللوحة بسبب سرعة جفافه، عكس الوان الزيت التي لا تتيح للفنان التواصل مع انفعاله الابتدائي، ولكنها تمنحه مساحة للتأمل والبحث والدراسة، ومهما تتحرك هذه الانفعالات نحو الهبوط والارتفاع بين الحين والاخر، الا انها تستمر في تجسير الحالة بين الفكرة واللون، اذا اخذنا بنظر الاعتبار، ان اللوحة عند بلاسم تبدأ ببناء هندسي يخطط له، فيه الكثير من ايحاءات فن الكرافيك، فهو لا يرسم انما يحفر علي ظهر القماش، ولكنه في وسط العمل او في النهايات يفقد الصبر علي الاستمرار في تنفيذ الفكرة لاصطدامها بالعديد من الافكار والرؤي والتطلعات التي تصطدم بارض الواقع المزري، لهذا يطلق العنان لانفعاله بخربشات وخطوط متشابكة، لايجاد بعد جمالي يفسر هذا التوتر.

ليس في كل أعماله يتواجد التشخيص، ولكن في بعض الأعمال نجد شخوصه ( Figures) يتمثل في إيحاءات وتأثيرات شخوص الفنان، الراحل إسماعيل الترك، ولكن شخوص بلاسم ساكنة، متأملة، تتطلع الي الافق، فيها جمود امام الحركة الصاخبة التي تحيطها، وكأنها تنظر وسط هذه العتمة والظلام الي ضوء بعيد، لا تأمل ان الافق سيفتح لعالم اخر، وتبقي المساحة الحرة البيضاء لا تأتي من أفق بعيد وإيمان ميتافيزيقي، ما ورائي وانما من ارض الواقع، من الاسفل، لهذا تبقي شخوصه معلقة بين الكتلة والفراغ. تتأمل مصيرها الذي تساق اليه بغير ارادتها.

ان لوحات الفنان بلاسم فيها ايحاءات جدران الفنان شاكر حسن فهو يعمل بما يشبه الكتابة علي الجدران، او الحفر لإبراز الكتلة المندفعة الي الامام، بهواجس داخلية مقنعة، ففيها معاناة ثقل الصراعات الداخلية، وقوة تأثيرها علي عمله التي تتداخل فيها الصراعات الجوانية والخارجية، من خلال بروز الكتلة بكل ثقلها وسوداويتها، وعدم تحديد ابعادها وحدودها، اذ تذوب الخطوط في الالوان، ولا يبقي لها حدود، سوي تقابل الالوان الحرة لتظهر الحدود الفاصلة، وتبين لنا الشكل وتوازنه العام، فتتشكل هذه المساحات من اللون الاسود والمفروش علي مساحات كبيرة، في اللوحة كمقابل ضدي للون الابيض، بما يشبه اعمال الحبر الصيني، وكأنه انسكاب الدواة علي ظهر الورقة وتفشي الحبر، عملا لا إراديا، او ما يشبه لا ارادة الفنان، وفيها احاسيس بتهويمات واحلام الفنانيين السورياليين.

فما هي المديات التي سوف يستمر في الاشتغال عليها بلاسم؟ التي وضعنا في وحدة الموضوع والتنوع في معرضه الاخير، ان هذا يعود الي مدي تحكمه في عدم الانجرار الي ما يغرضه السوق من سطوة، ولكننا امام انتاج متواصل قد يضعنا في المستقبل علي شيء يختلف في الرؤية البصرية بجماليات تختلف عن رؤاه الجمالية الحالية مع استمرار تحقق وحدة الموضوع والتنوع.