بلاسم محمد : يوميات الخروج من الرسم

اشكاليّته هو .. الذي تمضي قدميه الى  رماد السؤال الفني ..اشكالية التمحيص والمعرفة:

المعرفة القديمة ، المعرفة الغنوصيّة ، الجدليّة ،  المدققة ..حد العصاب والألم .. المعرفيين .

ومنذ وقت وقد اخضرّت بين اصابعه عاصفة الحروف..

ومنذ وقت وقد انسكبت الأبعاد والحجوم على ورق بروفات الصحف والمطبوعات التي اخرجها او اشرف على طباعتها .. ومنذ وقت – وقد اكتشف اسرار الكتّاب والمؤلفين والصحفيين ونماذج  فصاميّة في عالم الحرف الماجن  -  وهو يكتب ،مغايرا ،  رؤيته – دراسته  للرسم وتاريخه ..

افضيته .. وكتله  وهي تنثني على ظلّها ..

 

ومنذ وقت وهو يرسم - يريق  بنظام تدويني مشفّر يومياته التشكيلية على  خامات متنوعه  ..

وبهذه الطريقة المتعددة الوجوه  يضعني بلاسم محمد  امام خيارين :  الخروج من الكتابة ..

او الأعلان  انه ، مع كل عمل تشكيلي ،  يقرر الخروج من الرسم ..

 

سنوات من مفاجآت الأضطرار .. وهو ينتج فنّه ، مثله نحن ،  حمل اضطراباته - حملنا اضطراباتنا  مثل اشواك فاتنه في عروة القميص المتشابه او المشتبه به .. وقد رفض – رفضنا - التنميط  مكتفيا - مكتفين بخلافية الشوكة التي تنغرز في رقبته – رقابنا كنوع من الوقوف على موقد الجمر البوذي الفاتن على ارض ثقافة .. بلاد الرافدين!!  هو الذي كشف  الغاز كل منظور وحرف .. وكتابه ..ونص ؛ يؤثث براهينه على السطوح ، بمفردات هاربة من  رثاء الأمكنه ..

المكان بالنسبة اليه فضاء من النأي الجائر.. اقصاء للغز حضوره ..اقصاء ماضيه – ماضينا  واجتراح فجوة لانهائية في كينونتها الأبديّة  .. حيث تتأمّل لوحاته اليوم في تواريخ اخرى .. تواريخ لقشرة الزمن الذي افرغته اقدام عاصفه..  وهي تحمل شهوة  المحو الوثني ..

انه يحيّرني ، يربكني وانا أقرأ لوحته ، لهفة مؤرّقه لكشف زاخر ومبهم ، واحساس بالوقوف عند احجية    ترسم علامات .. تقول انبعاثاتها الوشيكة .. ومن الرهق اغادر الكتابة  وظلالها المرةّ ..  ولاابرح ان ارى الى العمل بعينين مفتوحتين  وانا استدير بعيدا ..

 

تلك هي قطيعة لوحات بلاسم محمد  وهي تؤسس اندثارا لمعرفة سالفة ونفي لكل مشتركات او شخصنه  – ذكريات وحقول مشتركة وعواطف وضحك  مذعور –   وهروب مشترك من جلدينا على  مصاطب النمط  ، لتقيم  استنطاقا  لرموز وخفايا وارقام.. وتعقبا مرهقا لحلقات  يبدو وكأنه دحض لثابت البنى  وتفكيك متحرك وجدلي للوعي على خامة الحاضر وهو يرمي ارباكات الوراثة القسرية للماضي العابر ..

في لوحات بلاسم محمد يغادر الرسام كل سلطة معرفية ، ينفي ذاته خارج ماضي المعرفة – معرفته الشخصية وقراءاته وينتمي الى شعرية حيواته : ذوات مقصيّة .. تمارس حيواتها المعطلة ، ونساء تغيب لوعتهن في شراشف العزلات .. ومناديل تلوّح لنوافذ مطفئة .. وشحوب لفضاء الدخان والليل .. والأستغراب العميق .. والذهول الواهن .. الفقد في لوحة ( الصديق ) هنا  يرهق روحي واحس كم يراوغ هذا الفنان ليفتت احساسه بالفقد .. ان ضحكه الجنوني الدامي ليس غير تغيير بنيه ( يكتب لي مرة ّ: نلتقي نفرغ شفراتنا بالضحك اهستيري )  . تفكيك حس واستبدال وظيفة والاّ فأن بنيته الأخرى ليس غير اعادة بناء لحس متراكم من الأسى ..

الرسم عند بلاسم محمد مثلما عند رجل الكهف ( لغته وحاجته ) كما كتب على طرف رسالة دجتاليّة يوما .. والاّ فأنه  حين يلقي قناعاته وقراءاته  فأنه يخلق ارتباكات في تواصل حوار  بيئة التشكيل .. ذلك ان تفكيكاته لأنماط المعرفة ومنتوجاتها – تلغي المعرفة ذاتها  لكنه هذه المرّة .. وقد اختار الرسم يمضي الى حفرياته -  فينا ..  يعرّضنا الى ذواتنا وهي تنوح من خرافاتها وامالها الخادعة ومعارفها الثابته .. وفقدها الكبير .. اسئلته الدلالية ترسم زمنا لجنوننا الفردي .. تفكيكا لعزلاتنا وتحيل الى – على - وعي آخر لماهو غائب ومتوقع .. خارج سلطة الوعي اليومي لمحنة حياتنا اليوم ..

 

بلاسم محمد يؤطر لحظات تطهّرنا الشخصي .. ويوصل قرين شخوصنا الغائب  مثل مخلّص مستحيل .. تاركا لحظة امل رومانتيكيه مع كل موعد عابر .. اووجه يشهق في نافذة النار حين يخلق شخوص لوحاته من يومياتنا مثل رعايا يرمون نشيدهم الملغز بلغة الحنو النادر .. والأغتراب  المستحيل .. انه يخرج من الرسم .

..يرسم مجهوله ..