خلود حيوية لحظات الرسم في اعمال بلاسم محمد

"لا يمكن تحت طائل أي اغراء عاطفي او  تلميح قصدي يمد النظر باتجاه تقييم خلاصات تجربة بلاسم محمد، التفريط بثقة اعتمادها منهجا جماليا-نقديا، حادا، وجاداً يحمل اكثر من منحة وبعد واجراء.. تحادده جملة من قناعات ومعارف، فضلا عن استنارات ذهنية واخرى عقلية تجابه تلك الالتماعات الفكرية المنهجية،

التي لم تعد قانعة بالاكتفاء وتوريد السائد والمالوف. لان ما يلزم فعل ومحتوى الذاكرة الفردية انها تحتفظ بشكل اقوى وابقى تراث وعيها، الذي هو ارث البشرية-بالتالي- اكثر من الرهان والاعتماد على الذاكرة الجمعية لتحويل ما يمكن تحويله الى منجز ابداعي يتواصل مع ما انتهت اليه الحضارة, ليس لان الفرد هو مركز الكون، بل لجملة اخرى من عوامل وتنويعات مضافة اعطت مفهوم او لغة السيادة لذلك النوع النادر والقليل جدا من المحرضين الابداعيين، باتجاه الجدل والتأسيس للحداثة وفهمها .

لعل مكر التفكير  الحر والايجابي، ودواعي ملكة الاحتراف بالتماهي مع سايكولوجية ادراك الغاية وتثمين الهدف في انساق تجربة بلاسم محمد في الرسم، يكمن في اهمية التشخيص المرادف او القريب للحذف، اعتمادا على ذائقة المشاهد ودرجات قدرته على التأويل، وبما يتيح للفنان حرية الاختيار وقدرة التصدي لهيبة الفراغ واثبا مسترخيا- في ذات القوة والشعور- من اجل تطويع مرامي وعوالم ما يريد تحشيده على السطح التصويري بكثافة واحتشاد –احيانا- وبزهد واسترخاء مدروس في احايين وحالات كثيرة، تعلل حب امتلاكه الخاص لفروض من لحظات ومواقف تستجمع قوى واستعدادات واعية ومناسبة في استثمار اغراء ووطاة تلك اللحظات والحالات نحو نواحي ومجالات تشكيلية متعددة.. محاولة التعبير بالخط.. ميول الكرافيك.. فهم وتطبيق تقنيات الطباعة.. الاخراج الصحفي.. زائدا سعة الخيال ومراس التمرين ازاء تبديد القلق امام ما يمكن ان تواجهه من مشكلات، ينوء بحلها وحجم ما تحمله المساحات البيضاء (قماش او ورق) من اكتظاظ وتوترات خفية تغري بحيازة نوع خاص من الخوف يسكن تلك المساحات والسطوح التي يألفها الرسام او اعتاد محاولات اختراقها.. شكَل تصميم حضوراً في معمار لوحات بلاسم محمد بحاصل قوانين فهم النسب واختيار طبيعة الاملاءات والوحدات داخل منظومة تحدي ذلك الشكل الفني، مثابة اخرى عمقت من واجبات الحذف[الحذف واحدة من اهم سمات الفن الحديث] .. الحذف- اذن- بما يشبه الاضافة وبما يعادل الجرأة المرتبطة بقدرة إستدعاء الخبرة وفق مقتضيات الحاجة اليها.. الجراة-ايضا- في مقدرات بلاسم في الرسم تماثل نوعا من الإبلاغ.. رمزا وتجسيدا تعبيريا.. اشارة.. علامات.. تمهيديات وجدانية تناور بالحلم على اعتباره نشاطا جماليا يضاهي لعبة الخيال.. لان الحلم-في واحدة من محاولات إبعاده عن تهم مدرسة التحليل النفسي- هو دليل على التخيل... مثلما هو الحب، بخالص معناه التجسيدي، هو العدول والإمتناع عن استخدام القوة والعنف، مثلما –ايضا- طاقة الرفض التي يلخص وجودها بيكاسو قائلا [ليس ثمة نقاوة كلية خالصة غير نقاوة الرفض] سياق تلك المفاهيم وبث الدلائل هذه.. تستدعي قبولا نوعيا لخوالص ما اقدم عليه بلاسم محمد وتحميل لوحاته المثقلة بعناد واتزان ومغامرة محسوبة كل هذه الحشود والتنويعات والتخطيطات الماثلة بوعي مدرب، بما يشي-مجددا- على ضرورة الانتباه لاشكالية التأثير والتأثر الحاصل في بنية الوعي التشكيلي العراقي وخلاصات ما نتج من نواتج لم تدفع- غالبا- نحو مسألة فهم التراكم الواجب فعله بعد قرن كامل او يزيد بقليل في حياة اعلان مغاليق ذلك الفهم الذي ظل – رغم تعدد التجارب وتنوعها في عراق التشكيل- محدودا وضيقا، بل محصور في فلك عدد من المغامرين والمجربين في نطاق تاثرهم بتجارب عالمية استفادة من التجريد ونمط التعامل مع اللاشكلية والتي هي الوجه الاخر-حتما- للتجريد .. كما استفادت تجارب قبلها من اتجاهات ومدارس الحداثة العالمية بنواتجها وعناوينها المعروفة.. والامثلة كثيرة على ذلك.. ومع ذلك لا تمانع الاجتهادات ولم تمانع في خلق نهضة تشكيلية هامة وعميقة في مسارات التحديث البصري لعالم الافكار والمواضيع التي اجترحها عدد فاعل من رواد الحداثة وبعض من سار على منوالهم.

***

في العودة الى محاولات بلاسم محمد في الرسم، يقرب زعم ما اشرنا عليه وما اردنا التاشير انطلاقا من حيز الصبر وغنى التامل والوقوف في محطات الانتظار وثقافة المراقبة ومتعة الاستفادة من نواحي ومثابات اسهمت في تجربته ونواتجها الحالية من خلال سنوات طويلة تراوحت ما بين القرب والقرب جدا من مباهج الرسم وصولا الى عرض مبهر شهدته احدى اهم قاعات العرض الكبرى في عمان 2008.. كانت قد سبقته مشاركات عديدة يعود بعضها الى سبعينيات القرن الفائت (العشرين).. ولكنها كما يبدو بعد كل هذا الانثيال البارع من التخطيطات واللوحات، كانت تعد مؤونة الدخول، بتفرد مدهش واعتداد واثق يليق بمصاف التجارب الكبيرة القادرة على ايجاد مكانها المناسب في تاريخ تواصل وتوالد مثل هذه الأجراءات ومحاولات اجتياز الأسئلة الجمالية والاغداق بطرحها امام كل تمردات الإجابة عن معنى واجب الفن ومديات وجوده.. حتى لو اصاب كل تلك الأسئلة الاعياء وحمى توالد غيرها من الاسئلة.. لانها –اصلا- مفاتيح كما كان يذهب الى ذلك "ريلكه".

-***-

نزعات تعبيرية ماثلة بروح تجابه اليأس والخوف والانتظار واسباب الرحيل، بما يناسبها من دفاعات وإختزالات جمالية. تؤشر كما، تسكن في فضاءات أبنية واماكن يسعى ان يجعل منها بلاسم محمد (يوتويبا) لكنه سرعان ما يذكي بعاطفته نار الانتماء والشوق نحو عوالم غارقة في لجج سحائب سوداء تتلألأ منها نجوم اسرة ومجرات شبابيك واجساد من اهواء نساء بقامات ملائكة تكمل مراسيم الاحتفال الروحي بخطوط.. وفراغات تواصل خلق صراعات درامية داخل بناء المشهد، بل داخل بناء تداخل اللحظات المكبلة بجمال أنساقها وانسيابية الاشخاص (نساء في الغالب) والاثاث المدعوم باجواء حلمية ومقومات الحاجة للنوم طريقاً سالكا لذلك الاجتهاد وهو يقابل الحلم.. كما يقابل الخيال وباقي اكسسوارات ترافق زهو المرأة، بانوثتها وحرارة حدسها ورهافة حاجة شعورها الدائم للامان, ثمة مرموزات.. السرير ..الشباك .. الكراسي.. يجهد بلاسم محمد ان يحضرها في بهاء لوحاته الغارقة (بالضوء الاسود) ولكي يمنحها تأشيرة الرحيل والغياب في لعبة التماهي وعدم إشباع المشهد او الحالة خشية إفساد المتعة، وتلك مهارة لا احسبها سهلة او يمكن تحقيقها في لوحة واحدة بل حتى في عدة لوحات واعمال.. فتلك –ربما- مهارة او لغة سينمائية اكثر من إمكان إنضاجها على سطح واضح ومحدد بقياسات وملاكات معروفة تلامس أدوات التعبير بالرسم.. لم اشأ التمهيد بالوصف لنزعات وعناصر التعبير في تقييم تجربة هذا الفنان.. لكني اسعى الى تعبيد طريق اخر يتلاقى ومقومات تجربته نحو قدرة تبنيه التعبيرية واعتماد اللون كوسيلة إفصاح عن ملكات وقدرات، اعمق تتماثل وجرأته وثقته اعتماد اللون الواحد بتوريد دفقات جمالية باهرة لا تحاول ان تغازل العين وتستنمي بها على ما اعتادت وتدربت بالتحايل والتكرار, بل راح بلاسم محمد يعيد تكوينات الاعتماد على ذلك اللون كتفرد وجداني باضافات زاهدة, قليلة جدا لالوان اخرى ساندت قوة وجود وهيمنة اللون الواحد.. الاسود غالبا فرس الرهان الرابح في إستدراء قوة التخطيط وصرامة الوصول الى روح وبؤرة الحدث الذي تفيض منه التعابير والحالات والمواقف وتحقيق مستويات من التوجس والترقب والدهشة المصاحبة- ايضا-للمشاركة والتأمل والانفتاح والانهماك بقدرة التأويل وبراعة الاسئلة المحيرة ومقومات المعرفة في فتح منافذ الوعي والذائقة.. ان ملاذات بلاسم محمد المرهونة بالرسم والتخطيط وما قد يحصل بينهما من تداخل وشيوع استخدام السواد الذي يمثل اكبر زعامات الحزن على مدى تاريخه الحسي والنفسي وبهذا الانزياح والتطاول وتوضيح الكشف والقصد انما عمقت جانبا حيويا استحواذيا للحظات وحالات ومواقف هي استرجاعات ذهنية- عقلية- معرفية تشربت كثيرا وتاملت جيدا وشرعت بالاعلان عن كوامنها وقدرة احتفاظها بسحر وجاذبية الغموض الذي غلف الكثير من اعماله.. وليبقى الجانب المخفي من ملكات اللاشعور طي حالات ولحظات ومواقف تجانب فهمها لمعنى فكرة قديمة- جديدة- يختصرها البحث الدائم عن الخلود.