فكره بفن وفنه بفكر - هكذا هو بلاسم

تقديم

1

يُستًقبل باحتفالية ، ،  تَعَم ابتسامه وجوه الحضور ، ، تَتَحول إلى  قََهقهات من الضِحك ، ، ذاك الضحك الغائب الضرورة  ، ، يود الكل مجاورته ، ،  يركزون العيون فيه ، ،  ينتظرون ما يضفي على كآبتهم وحزنهم الدفين مرح إلقاء بل مرح النفوس الغائبة والمغيبة ، ،  لعل من جديد يُفرح ويَفتح القيود ويسترجع الطفولة والصبا  إلى نفوس شاخت وكبلت بإيقونات مخادعة كاذبة ، ، ،

تجده راقصا يحرك الأجواء المتجمدة ، ، يمنح المكان حرارته. . يمتلك تدفق رأي وسرعة بديهة ، يعلن انتمائه بشجاعة ، ، فيه ما ندر من المواقف ، ،

يحبط المرجعيات من النفوس و يسقط المقدسات من الذاكرة ، ويرفع الأشياء ،  ،

فيه من الوجودية بقدر ما فيه من التفكيكية و التأويلية ،،    في الدرس يحيل الابتسامات إلى وسائل علم و تعلم ، في قفشاته درس ، ،  تجده حداثويا ، بنيويا ، برجماتيا ، تأويليا ،

فكره  بفن

و فنه بفكر

 

هكذا هو   بلاسم

 

2

في فنه غربة واغتراب  ، ،  اغتراب بتفاعل مع الاخر ، وكأن سخريته وتهكمه ، دعوات رفض ، يحقق فيها افتراض متعاكس مع المرفوض ،  بأمل وجودي في حرية الحياة ،   يعلنها مركزا وانتماء  ،  تقودها الرغبات غير الانسانية  وتسقط  المقدسات بمرجعياتها ، مزدرياً مستهيناً بها ،  وبإلغائه المؤسسات ، يعلن تهافت الماضي  و هفواته ،  وفي المقابل يستخف من رعب المستقبل ، ،

تعلن رسوماته  مركز لحظة في زمن، واَنية  في الوجود

 

فيها يتألق الوعي المتجسد بفن ،  وبأسلوب استطاع أن يستل من تقنيات الحداثة ما يخصه ،، وكما يقول سارتر : ((اننا ندرك اختيارنا بوصفه مفارقة لأي واقع سابق ، وينبغي ان يكون مؤسساً على عكسه، لمجموع المعاني التي تكون الحقيقة الواقعية)).

فالماضي مقيت مؤلم يقيد الفكر .  والمستقبل سيء يقود إلى تفجر الألم والانفعال في الإنسان ،  برغبة الاستحواذ و(الأنا) المريضة المسيطرة على كل شيء. ولم يبقى إلا لحظة الوعي في وعيها..

في لوحاته إسقاط وازدراء لكل قيمة ومعيار وقياس .إلا الإنسان . . .

 

3

انجازاته الأخيرة تفضح مخيلة خصبة تستدعي البناء بتقنيات متمازجة بين التلوين و التخطيط  ، يعلن التعالي في الوجود  حسيا  ،  ماديا  ، غرائزيا  ،  من شأنه قيادتنا إلى وجود متسامي حاضر أمامي يلغي وجود الواقع. انه قدرة على تخطي الواقع والانفصـال عنه - ،، وكما هي في وجودية سارتر- فان ((إعطاء محتوى حسي للصورة يجعل منها شيئاً خاضعاً لقوانين الأشياء لا لقوانين الوعي ، وبذلك تنتزع من التفكير كل إمكانية للتمييز بينها وبين أشياء العالم الأخرى. . . . وإذا أدخلناها فيه، دخل الكون كله معها ، وتحول الوعي دفعة واحدة ، مثل محلول مفرط التشبع )). سارتر، . التخيل، ص94.

في مخيلته انجاز يستدعي الإنسان في جسد حلم ، حلم يعلن الواقع لحظه انفصام عن مادياته . حلم نجده في تلك الضبابية في ألون .

 

4

نجد في تشكيلاته تَعاملا مع المادة بقيمتها ألفيزيائية كيفيا لا كمياً ،  بتأويل يستهدف المتلقي ليصنع تناصاً بوعي ،،  فَضلا ًعن ما قدمته لوحاته من حركة  تأويله ، وصولا إلى تأويل جديد مفعم بشكلية  متفردة  ، وهكذا نجد في منجزه الجمالي َتعاملا قصدياً و تحليلاً تركيبياً ، يُحلل مُعطياته ( ألميثوسسيسولجيه ) ، ليعيد  تَركيبها على وفق نظامها  ( الجمالي ) ألمستحدث ، وكما نجَد خامته متفاعلة  جماليا في صميم رؤيته الفنية ،  تحمل في طياتها نظم إيحائية  تأويله ، تعلن حركتها وتأثيرها  في صميم النسق ألفني ألمعاصر ، يعمل بنسق جمالي ليعلن ألمعاصرة  في فنون ألتشكيل  وعي و تأويل ، بل تأويل مفرط  لمواد بناء أو أظهار ألعمل ألفني  ،  متداخلة بين تقنيات ما تلبث إلا ان تكون جزءاً من حركةٌ  هارمونطيقية ، ..

لوحاته في أعمها الأغلب   متحركة ،  بل متباينة أحياناً ،  وهذا ألتباين  يُعد دفقة ألحداثة ونموها ، وكأنه يعلن َ جدلٌ الشكل  في جدل أللون ،  محققا  جدل مفرط التركيب ، أنها فلسفة الحداثة التي  شغلت  الخطابات النقدية المعاصرة ،

 

5

في أعماله وحشية ممتزجة باغتراب وجودي متمظهر بشخوصه المنحلة في بنية لونية تعلن تهافت التثبت والمراكز ،، و ها هيَ ( وحشيته )  استطاعت  أن تحطم بوعي مفرط كل الأنساق السائدة و المتداولة ، كما عملت بجهد على تحطيم تلك الأيقونات برفض (  عابث )  ،  وعلى الرغم من تلك الثورة على الرؤى و آلية ألتخيل  ،  ألا أننا نجد تأسيساً لرؤية فلسفية تنبث في أرجاء الأنساق الفكرية و المعرفية المتجاورة ، أن رغبته في ( العبث والرفض )  اعتمدت الفكر المحلل المركب و هو في أعلى مراحل القصد ،  بل قدم َ التحليل والتركيب لأنساقه الجمالية المتداولة  رؤى تمثل الضفة الثانية أو المقابلة من الصراع  ،، أنها رؤى أعلنت الرفض ، كما أعلنت التحطيم لكل  ( أيقونات )  الجمال و الجميل   ،   إنها ثوره تعلن المجابه  مرمزة  بالشكل و أللون  . وكأن بلاسم يؤكد رأي ماتيس عندما أعلن  ((  أن الصوره قبل أن ُتكون حصاناً أو عارية أو نوع من حكاية ،كل ذلك في حقيقته ما هو ألا سطحاً مشوباً بالألوان ، جمعته على وفق نضام معين . )) . و (( أن الحاجه للألوان تقودني إلى تحرير الشكل من حدوده الفيزيائية )  BELL , RALSY HUSTER ; TH PHILOSOPHY OF PAINTING .P. 68.  إن رؤية بلاسم كما هي رؤية ماتيس  المبثوثة في تداعياته الحرة والمقيدة حسب  (فرويد )  ،  تمثل دلاله الرفض و صوره الانتماء بافتراض  ، افتراض رافض لكل واقع وواقعة   ، يتجسد في تشكيلاته أللونيه محيلا المعنى إلى المتلقي ،

 

وفي انجازاته  يعلن الهرمينوطيقية مبدءا جماليا ، كما يلتزمه مبدءا نقديا ...  .

عندما تتلاقى مخيلته كفنان بمخيلة التلقي و تتناغم الأفكار بتأسيس نظم تذوقية جديدة ، يعلن  العاطفة تشكيلا ،،  انه الوعي المفرط بالوجود ،، وحركه فهم وتفسير الأشياء والظواهر ، إن هذا الاندماج بين العاطفة والشكل يحقق أسلوبية إظهارها في ماده أو خامة  ، ووفقا للنظرة ( البنيوية )   أو الفكرة التي أطلقتها في جعل الإبداعات حركة نسيج لا صلة لها بالمنتج  ، نجد أن ألأمر متحقق  في أعمال بلاسم بتأكيد حتمية التحول في الذائقية الجمعية و الفردية ، إنه تصدع في الأنساق وتخلخل في حركتها ، و الأمر لا ينافي النظرة ( الجدلية ) في تحليلها لحركة الوجود ، ، وعليه نجد  متحولات النسيج بصورتها الكلية في لحظة توقف معين لمخاض النسيج المستمر ،  لابد  له  من  متحولات في أنساق النسيج ذاته  ، و كأنه يعلن الفن َ ( كَجرثومة ) تصيب الأنساق  المتجاورة  و المتباعدة عن مركز الشراره  ،  وعليه تتضح تلك التوافقية بين ألأنساق المتجاورة  والمتباعدة  حتى في الهدم ..هدم ( مؤسسات الماضي )  وها هي ثورة (الحداثة في التشكيل ) ، ،  وأعمال بلاسم صورة منها ،...

 

6

المتحول في معرضه الأخير تلك المسرحة ، مسرحة اللوحة ،، وكأنه يعلن أن الوجود مسرح كاذب مخادع ، بل مسرح وهم وإيهام ،، وفي بناء لوحاته هندسة خفية أخفتها ضبابية قصديه لألوانه ، في هذه الضبابية عزز الحلم والإيهام ، .

لوحاته استدعت الإنسان كمركز بناء ومركز تشكيل ، بإحالة شكلية حداثوية متأرجحة بين هنري مور و جاكومتي ،، كما ان تشكيلة الفضاء بترك قصدي في جغرافية لوحاته على كينها الأبيض أعطى استمرارية حركة ، وديناميكية في حركة التكوين و التأويل ، إنه يعمل جاهدا على استفزاز مخيلة المتلقي ، ونجح .....

ويبقى بلاسم كرافيكيا في رسوماته ،، وملونا رساما في منجزه الكرافيكي ،، وهو بذلك يسقط الهوية بين الرسم والكرافيك ، .

وهكذا نجده مصمما أسقط الهوية بين التصميم والرسم .

 

7

إحذر  يا صدقي ،، انتبه ،،

جراد ، جراد ، جراد ،

المحابس والسبح  تنتشر وتنتشر ،،

حداثويتك  تقاوم ،،

اجعلها مفردات لوحة ،،

اسقط قدسيتها ، أرجعها الى كيانها ،،أعلن شيئيتها ،

إنها حجارة  ،،

لا تغري طفل قد تلبس بغائطه ،،

قاوم بابتسامتك ،، واجعلنا نبتسم ،،

ابتساماتنا تقدم الحياة على الموت و الحاضر على الماضي ..

كم نحتاج الحاضر يا صدقي ،، قتله الماضي ، ،  تباً له

 

 

د.  نجم حيدر

أستاذ الفلسفة والنقد الحديث

جامعة بغداد